ومن عجبٍ أنّي أحِنّ إليهموأسأل عنهم مَن لقيتُ وهم معي٢
وتطلبهم عيني وهم في سوادهاويشتاقهم قلبي وهم بين أضلُعي٣
وهذا ألطف من قول الآخر:
إن قلتُ غبتَ فقلبي لا يصدّقنيإذ أنت فيه مكان السرِّ لم تغِبِ
أو قلتُ ما غبتَ قال الطرف ذا كَذِبٌفقد تحيّرتُ بين الصدق والكذبِ٤
فليس شيء أدنى إلى المحبّ من محبوبه، وربما تمكنت منه المحبة حتى يصير أدنى إليه من نفسه، بحيث ينسى نفسه ولا ينساه٥، كما قال٦:
= أنشده المصنف في روضة المحبين (١٥٥)، وطريق الهجرتين (٤٦)، ومع بيت آخر في مفتاح دار السعادة (١/ ٤٣٩). وانظر الجواب الصحيح (٣/ ٣٣٦، ٣٦٨)، ومنهاج السنة (٥/ ٣٧٧).
(١) ف، ز: "الآخر".
(٢) ز: "ومن عجبي".
(٣) البيتان للقاضي الفاضل في ديوانه (٤٩٢). وقد أنشده المؤلف في هداية الحيارى (١٥٣)، والروضة (١٠٠، ٣٨٥)، والمفتاح (١/ ٤٣٩)، وشيخه في الرد على البكري (٣٤٩)، والجواب الصحيح (٣/ ٣٣٦، ٣٦٨) والمنهاج (٥/ ٣٧٧).
(٤) أنشدهما المصنف في هداية الحيارى (١٥٤).
(٥) ف: "بحيث إنه ينسى نفسه ولا ينسى محبوبه".
(٦) س: "قال آخر".
أريد لأنسى ذكرها فكأنّماتمثَلُ لي ليلى بكلّ سبيلِ١
وقال آخر٢:
يراد من القلب نسيانُكموتأبى الطباعُ على الناقل٣
وخصّ في الحديث٤ السمع والبصر واليد والرجل بالذكر، فإنّ هذه الآلات آلات الإدراك، وآلات الفعل، والسمعُ والبصرُ يُوردان على القلب الإرادةَ والكراهةَ، ويجلبان إليه الحبّ والبغض، فيستعمل اليد والرجل. فإذا كان سمعُ العبد بالله وبصرُه بالله كان محفوظًا في آلات إدراكه، وكان٥ محفوظًا في حبّه وبغضه، فحُفِظَ في بطشه ومشيه.
وتأمَّلْ كيف اكتفى بذكر السمع والبصر واليد والرجل عن اللسان.
فإنّه إذا كان إدراك السمع الذي يحصل باختياره تارة وبغير اختياره تارة، وكذلك البصرُ قد يقع بغير الاختيار فجأةً٦، وكذلك حركة اليد والرجل التي لابدّ للعبد منها؛ فكيف بحركة اللسان التي لا تقع٧ إلا بقصد واختيار، وقد يستغني العبد عنها إلا حيث أُمِر بها؟ وأيضًا فانفعال اللسان عن القلب أتمّ من انفعال سائر الجوارح، فإنّه ترجمانه ورسوله٨.