وتأمَّلْ كيف حقّق تعالى كونَ العبد به عند سمعه وبصره وبطشه ومشيه، بقوله: "كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها" تحقيقًا لكونه مع عبده،
وكون عبده به، في إدراكاته بسمعه وبصره، وحركاته بيده ورجله؟ وتأمل كيف قال: "فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش"، ولم يقل: فلي يسمع، ولي يبصر، ولي يبطش؟١.
وربما يظنّ الظانّ أنّ اللام أولى بهذا الموضع، إذ هي أدلّ على الغاية ووقوع هذه الأمور لله، وذلك أخصّ من وقوعها به.
وهذا من الوهم والغلط، إذ ليست الباء ها هنا لمجرّد الاستعانة، فإنّ حركات الأبرار والفجار وإدراكاتهم إنّما هي بمعونة الله لهم، وإنّما الباء ها هنا للمصاحبة، أي: إنما يسمع ويبصر ويبطش ويمشي، وأنا صاحبه ومعه٢، كقوله في الحديث٣ الآخر: "أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه"٤.
(١) "ولم يقل … يبطش" ساقط من ل.
(٢) وانظر روضة المحبين (٥٥٥).
(٣) "الحديث" ساقط من س.
(٤) أخرجه البخاري تعليقًا من حديث أبي هريرة ﵁ في كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ وفعل النبي ﷺ حيث ينزل عليه الوحي. (ص). أخرجه ابن المبارك في الزهد (٩٥٦) وأحمد ٢/ ٥٤٠ (١٠٩٧٥، ١٠٩٧٦) والبخاري في خلق أفعال العباد (٤٣٦) وابن حبان في صحيحه (٨١٥) والطبراني في مسند الشاميين (١٤١٧) والبيهقي في الشعب (٥٠٧،٥٠٦) وابن عساكر (٧٠/ ٥٠ - ٥١) من طريق ربيعة بن يزيد الدمشقي وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر وسعيد بن عبد العزيز والأوزاعي -في الرواية =
فهذه الباء مفيدة لمعنى هذه المعية٤ دون اللام. ولا يتأتّى للعبد الإخلاص والصبر والتوكّل ونزوله في منازل العبودية إلا بهذه الباء وهذه المعية.
فمتى كان العبد بالله هانت عليه المشاقّ، وانقلبت المخاوف في حقّه أمانًا. فبالله يهون كلّ صعب، ويسهل كلّ عسير، ويقرب كلّ بعيد.
= الراجحة عنه -ومحمد بن مهاجر كلهم عن إسماعيل بن عبيد الله عن كريمة ابنة الحَسْحاس المزنية أنها قالت: حدثنا أبو هريرة ونحن في بيت هذه -يعني أم الدرداء- أنه سمع رسول الله ﷺ فذكره. وهذا سند صحيح، وكريمة تابعية وثقها ابن حبان.
(١) "هي" ساقط من ز.
(٢) من حديث أنس عن أبي بكر ﵄. أخرجه البخاري في فضائل أصحاب النبي ﷺ، باب مناقب المهاجرين (٣٦٥٣)؛ ومسلم في فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي بكر (٢٣٨١).