وبالله تزول الهموم والغموم١ والأحزان. فلا همّ مع الله، ولا غمّ٢، ولا حزن، إلّا حيث يفوته٣ معنى هذه الباء، فيصير قلبه حينئذ كالحوت إذا فارقَ الماءَ، يَثِب ويتقلّب٤ حتى يعود إليه.
ولما حصلت٥ هذه الموافقة من العبد لربّه في محابّه حصلت موافقة الربّ لعبده في حوائجه ومطالبه، فقال: "ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنّه" أي: كما وافقني في مرادي بأمتثال أوامري والتقرّب إليّ بمحابي، فأنا أوافقه في رغبته ورهبته فيما يسألني أن أفعله به٦، ويستعيذني أن يناله.
وقوي أمر هذه الموافقة من الجانبين، حتّى اقتضى تردّدَ الربّ سبحانه؛ في إماتة عبده، لأنّه يكره الموت، والربّ تعالى يكره ما يكرهه عبدُه ويكره مساءتَه؛ فمن هذه الجهة يقتضي أن لا يميته. ولكن مصلحته في إماتته، فإنّه ما أماته إلا لِيُحييه، ولا أمرضه٧ إلا ليُصِحّه، ولا أفقره إلا ليغنيه، ولا منعه إلا ليعطيه، ولم يخرجه من الجنّة في صلب أبيه إلا ليعيده إليها على أحسن أحواله، ولم يقل لأبيه: اخرج منها، إلا هو يريد أن يعيده إليها٨.
(١) "الغموم" ساقط من س.
(٢) "ولا غمّ" ساقط من ف.
(٣) ت: "يفوت العبد".
(٤) ف: "ينفلت"، تصحيف.
(٥) "حتى يعود … " إلى هنا ساقط من ز.
(٦) ف: "سألني". و"به" ساقط من س.
(٧) ل: "وما أمرضه".
(٨) وانظر جواب شيخ الإسلام عن سؤال عن التردد المذكور في الحديث في =
فهذا هو الحبيب على الحقيقة لا سواه، بل لو كان في كلّ منبِتِ شعرةٍ من العبد محبّة تامّة لله لكان بعضَ ما يستحقّه على عبده:
نقِّلْ فؤادَك حيث شئتَ من الهوىما الحبّ إلا للحبيب الأولِ
كم منزلٍ في الأرض يألفه الفتىوحنينه أبدًا لأول منزلِ١
فصل
ثم التتيُّم، وهو آخر مراتب الحبّ، وهو تعبّد المحبّ لمحبوبه. يقال: تيّمه الحبّ إذا عبّده. ومنه تَيْم الله، أي عَبْد الله. وحقيقة التعبد: الذلّ والخضوع للمحبوب. ومنه قولهم: "طريق معبّد" أي مذلّل قد ذلّلته الأقدام. فالعبد هو الذي ذلّله الحبّ والخضوع لمحبوبه. ولهذا كانت أشرف أحوال العبد ومقاماته هي العبودية، فلا منزل له أشرف منها.
وقد ذكر الله سبحانه أكرمَ الخلق عليه وأحبَّهم إليه -وهو رسوله محمد ﷺ - بالعبودية في أشرف مقاماته، وهي: مقام الدعوة إليه، ومقام التحدّي بالنبوة، ومقام الإسراء٢، فقال: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ١٩﴾[الجن: ١٩] وقال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾[البقرة: ٢٣] وقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾.
= مجموع الفتاوى (١٨/ ١٢٩ - ١٣١). وانظر أيضا (١٠/ ٥٨ - ٥٩).
(١) لأبي تمام في ديوانه بشرح التبريزي (٤/ ٢٥٣).
(٢) انظر طريق الهجرتين (١٨)، ومدارج السالكين (٣/ ٢٩)، وشفاء العليل (٢٤٣)، وروضة المحبين (١٤٣) ومفتاح دار السعادة (١/ ١١٠).