فإذا والى١ العبد ربَّه وحده أقام له الشفعاء، وعقد الموالاة٢ بينه وبيّن عباده المؤمنين، فصاروا أولياءه في الله، بخلاف من اتخذ مخلوقًا وليًّا من دون الله.
فهذا لون وذاك لون، كما أنّ الشفاعة الشركية الباطلة لون، والشفاعة الحقّ الثابتة التي إنّما تُنال بالتوحيد لون. وهذا موضع فرقان بين أهل التوحيد وأهل الإشراك. والله يهدي من يشاء إلى صراط
مستقيم.
والمقصود أنّ حقيقة العبودية لا تحصل مع الإشراك بالله في المحبة، بخلاف المحبة لله، فإنّها من لوازم العبودية وموجَباتها، فإنّ محبة الرسول -بل تقديمه في الحبّ٣ على الأنفس٤ والآباء
والأبناء- لا يتمّ الإيمان إلا بها، إذ محبته من محبة الله. وكذلك كلّ حبّ في الله ولله، كما في الصحيحين عنه ﷺ أنّه قال: "ثلاث من كنّ فيه وجد حلاوة الإيمان"- وفي لفظ في الصحيح: "لا يجد حلاوة الإيمان إلا من كان فيه ثلاث خصال-: أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يحبّ المرءَ لا يحبّه إلا لله، وأن يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه
(١) ف: "فإن ولى".
(٢) ل: "وعقد له الموالاة".
(٣) "في الحب" ساقط من س. وفي ل: "في المحبة".
(٤) ف: "النفس".
الله منه، كما يكره أن يُلقى في النار"١.
وفي الحديث الذي في السنن: "من أحبّ لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان"٢.
وفي حديث آخر: "ما تحابّ رجلان في الله إلا كان أفضلُهما أشدَّهما حبًّا لصاحبه"٣.
(١) من حديث أنس بن مالك ﵁. أخرجه البخاري في الإيمان، باب حلاوة الإيمان (١٦)، باللفظ الأول، وفي الأدب، باب الحب في الله (٦٠٤١) باللفظ الثاني؛ ومسلم في الإيمان، باب خصال من اتصف بمن وجد حلاوة الإيمان (٤٣).
(٢) أخرجه أبو داود (٤٦٨١) والطبراني (٨/ رقم ٧٧٣٧) والبغوي في شرح السنة (١٣/ رقم ٣٤٦٩) واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (١٦١٨) وغيرهم من طريق يحيى بن الحارث الذماري عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة فذكره مرفوعًا. ورواه عبد الرحمن بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة موقوفًا. أخرجه ابن أبي شيبة ٧/ ١٤٥ (٣٤٧١٩) واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (١٧١٤). قلت: عبد الرحمن بن يزيد جاء مصرحًا عند اللالكائي بأنه "ابن جابر"، وهو ثقة. والصواب أنه عبد الرحمن بن يزيد بن تميم، وهو ضعيف كما أشار إلى ذلك البخاري وغيره. وروي من طرق أخرى عن يحيى الذماري، ولا تثبت. وورد من حديث معاذ الجهني عند الترمذي (٢٥٢١) وقال: "حسن"، وأحمد (٣/ ٤٣٨) وفي سنده ضعف.
(٣) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٥٤٤) والطيالسي في مسنده (٢١٦٦) وابن حبان في صحيحه (٥٦٦) والبزار في مسنده (١٣/ رقم ٦٨٦٩) والحاكم ٤/ ١٨٩ (٧٣٢١) وغيرهم من طريق مبارك بن فضالة عن ثابت عن أنس مرفوعًا فذكره. والحديث صححه ابن حبان والحاكم. وقال الذهبي: هذا حديث حسن =