الثالث: الحبّ لله وفيه. وهي من لوازم محبة ما يحبّ، ولا يستقيم محبة ما يحب إلا بالحبّ فيه وله.
الرابع١: المحبة مع الله. وهي المحبة الشركية، وكلّ من أحبّ شيئًا مع الله، لا لله ولا من أجله ولا فيه، فقد اتخذه ندًّا من دون الله، وهذه محبة المشركين.
وبقي قسم خامس: ليس مما نحن فيه، وهو المحبة الطبعية، وهي ميل الإنسان إلى ما يلائم طبعه، كمحبة العطشان للماء، والجائع للطعام، ومحبة النوم والزوجة٢ والولد. فتلك لا تُذَمّ إلا إذا ألهَتْ عن ذكر الله وشغلتْ عن محبته، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ٩﴾[المنافقون: ٩] وقال: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾[النور: ٣٧].
فصل
ثم الخلّة، وهي تتضمّن٣ كمال المحبة ونهايتَها، بحيث لا يبقى في قلب المحبّ سعة لغير محبوبه، وهي منصب لا يقبل المشاركة بوجهٍ ما٤. وهذا المنصب خَلَصَ٥ لخليلين صلوات الله وسلامه
(١) ف: "والرابع".
(٢) ل: "ومحبة الزوجة".
(٣) س: "وهو يتضمن".
(٤) "ما" ساقطة من ل.
(٥) ف: "خاص".
عليهما: إبراهيم ومحمد، كما قال ﷺ: "إن الله اتخذني خليلًا، كما اتخذ إبراهيم خليلًا"١.
وفي الصحيح عنه ﷺ: "لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلًا لاتخذتُ أبا بكر خليلًا، ولكن صاحبكم خليل الله"٢.
وفي حديث آخر: "إني أبرأ إلى كلّ خليل من خُلّته"٣.
ولما سأل إبراهيمُ الولدَ، فأُعطِيَه، وتعلّق حبه بقلبه، فأخذ منه شعبة؛ غار الحبيب على خليله أن يكون في قلبه موضع لغيره، فأمره بذبحه٤. وكان الأمر في المنام، ليكون تنفيذ المأمور به أعظم ابتلاءً
وامتحانًا. ولم يكن المقصود ذبح الولد، ولكن المقصود ذبحه من قلبه، ليخلص القلب للربّ. فلما بادر الخليل إلى الامتثال، وقدّم محبة الله على محبة ولده؛ حصل المقصود، فرُفع الذبح. وفُدي بذبح عظيم، فإنّ الربّ تعالى ما أمر بشيء ثم أبطله٥ رأسًا، بل لابدّ أن يبقى بعضه أو بدَلُه، كما أبقى شرعية الفداء، وكما أبقى استحباب الصدقة بين يدي المناجاة، وكما أبقى الخمسَ صلواتٍ بعد رفع الخمسين وأبقى ثوابها
(١) من حديث جندب ﵁. أخرجه مسلم في المساجد، باب النهي عن بناء المساجد على القبور … (٥٣٢).
(٢) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁. أخرجه مسلم في فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي بكر الصديق ﵁ (٢٣٨٣).
(٣) أخرجه مسلم في الموضع السابق من حديث ابن مسعود ﵁ (٢٣٨٣/ ٧) ولفظه: "ألا إنّي أبرأ إلى كل خِلّ من خِلّه".