الداء والدواء

ووجود الفعل الاختياري لا يكون إلا بوجود سببه من الحب والإرادة. وأما عدم الفعل فتارةً يكون لعدم مقتضيه وسببه، وتارةً يكون لوجود البغض والكراهة المانع منه. وهذا متعلَّق الأمر والنهي، وهو

الذي١ يسمّى الكفّ، وهو متعلّق الثواب والعقاب.

وبهذا٢ يزول الاشتباه في مسألة الترك، هل هو أمر وجودي أو عدمي؟ والتحقيق أنّه قسمان: فالترك المضاف إلى عدم السبب المقتضي عدميّ، والمضاف إلى السبب المانع من الفعل وجودي٣.

فصل

وكل واحد من الفعل والترك الاختياريين إنّما يُؤثره الحيّ لما فيه من حصول المنفعة التي يلتذّ بحصولها، أو زوال الألم٤ الذي يحصل له الشفاء بزواله٥. ولهذا يقال: شفى صدره، وشفى قلبه. قال:

هي الشفاءُ لدائي لو ظفرتُ بهاوليس منها شفاءُ الداءِ مبذولُ٦

وهذا مطلوب يُؤثِره العاقل، بل الحيوان البهيم؛ ولكن يغلط فيه أكثر الناس غلطًا قبيحًا، فيقصد حصول اللذة بما يُعقِب عليه٧ أعظمَ

  1. (١) "الذي" ساقط من ل.
  2. (٢) في س: "بهذا" دون الواو.
  3. (٣) انظر: إغاثة اللهفان (٨٢٤).
  4. (٤) ل، ز: "وزوال الألم".
  5. (٥) "بزواله … قال هي" ساقط من ل.
  6. (٦) البيت لهشام بن عقبة، أخي ذي الرمة، وهو من شواهد سيبويه (١/ ٧١، ١٧٧). وانظر مصارع العشاق (٢/ ١٩٠).
  7. (٧) ف: "على نفسه".
449

الألم، فيؤلم نفسه من حيث يظنّ أنه يحصّل لذتها، ويشفي١ قلبه بما يُعقب عليه غاية المرض.

وهذا شأن من قصَرَ نظره على العاجل، ولم يلاحظ العواقب. وخاصَّةُ العقل: النظر في العواقب٢، فأعقَلُ الناسِ من آثر لذته وراحته الآجلة الدائمة على العاجلة المنقضية الزائلة، وأسفهُ الخلقِ من باع نعيم الأبد وطيب الحياة الدائمة واللذة العظمى التي لا تنغيص٣ فيها ولا نقص٤ بوجهٍ ما، بلذّة منغَّصة مشوبة بالآلام والمخاوف، وهي سريعة الزوال٥ وشيكة الانقضاء.

قال بعض العلماء٦: فكّرتُ فيما يسعى فيه العقلاء، فرأيتُ سعيهم كلّه في مطلوب واحد، وإن اختلفت طرقهم في تحصيله، رأيتهم جميعهم إنّما يسعون في دفع الهمّ والغمّ عن نفوسهم. فهذا بالأكل والشرب٧، وهذا بالتجارة والكسب، وهذا بالنكاح، وهذا بسماع الغناء والأصوات المطربة، وهذا باللهو واللعب. فقلتُ: هذا المطلوب مطلوب العقلاء، ولكن الطرق كلّها غير موصلة إليه، بل لعل أكثرها إنّما يوصل إلى ضدّه. ولم أر في جميع هذه الطرق طريقًا موصلة

  1. (١) ل، ز: "يشقي"، تصحيف.
  2. (٢) "وخاصة … العواقب" ساقط من ل.
  3. (٣) ف: "تنغص".
  4. (٤) "نقص" ساقط من ل.
  5. (٥) "الزوال" ساقط من ز.
  6. (٦) هو ابن حزم، وقد لخص المؤلف كلامه. انظر: الأخلاق والسير (١٣ - ١٦).
  7. (٧) "والشرب" ساقط من ف.
450

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي