الداء والدواء

الألم، فيؤلم نفسه من حيث يظنّ أنه يحصّل لذتها، ويشفي١ قلبه بما يُعقب عليه غاية المرض.

وهذا شأن من قصَرَ نظره على العاجل، ولم يلاحظ العواقب. وخاصَّةُ العقل: النظر في العواقب٢، فأعقَلُ الناسِ من آثر لذته وراحته الآجلة الدائمة على العاجلة المنقضية الزائلة، وأسفهُ الخلقِ من باع نعيم الأبد وطيب الحياة الدائمة واللذة العظمى التي لا تنغيص٣ فيها ولا نقص٤ بوجهٍ ما، بلذّة منغَّصة مشوبة بالآلام والمخاوف، وهي سريعة الزوال٥ وشيكة الانقضاء.

قال بعض العلماء٦: فكّرتُ فيما يسعى فيه العقلاء، فرأيتُ سعيهم كلّه في مطلوب واحد، وإن اختلفت طرقهم في تحصيله، رأيتهم جميعهم إنّما يسعون في دفع الهمّ والغمّ عن نفوسهم. فهذا بالأكل والشرب٧، وهذا بالتجارة والكسب، وهذا بالنكاح، وهذا بسماع الغناء والأصوات المطربة، وهذا باللهو واللعب. فقلتُ: هذا المطلوب مطلوب العقلاء، ولكن الطرق كلّها غير موصلة إليه، بل لعل أكثرها إنّما يوصل إلى ضدّه. ولم أر في جميع هذه الطرق طريقًا موصلة

  1. (١) ل، ز: "يشقي"، تصحيف.
  2. (٢) "وخاصة … العواقب" ساقط من ل.
  3. (٣) ف: "تنغص".
  4. (٤) "نقص" ساقط من ل.
  5. (٥) "الزوال" ساقط من ز.
  6. (٦) هو ابن حزم، وقد لخص المؤلف كلامه. انظر: الأخلاق والسير (١٣ - ١٦).
  7. (٧) "والشرب" ساقط من ف.
450

إلا١ الإقبال على الله ومعاملته وحده، وإيثار مرضاته على كلّ شيء.

فإنّ سالك هذه الطريق إن فاته حظه من الدنيا فقد ظفر بالحظ العالي الذي لا فوت معه، وإن حصل للعبد حصل له كل شيء، وإن فاته فاته كل شيء. وإن ظفر بحظه من الدنيا ناله على أهنأ الوجوه. فليس للعبد أنفع من هذه الطريق ولا أوصل منها إلى لذته وبهجته وسعادته. وبالله التوفيق.

فصل

والمحبوب قسمان: محبوب لنفسه، ومحبوب لغيره. والمحبوب لغيره لابدّ أن ينتهي إلى المحبوب لنفسه، دفعًا للتسلسل المحال. وكلّ ما سوى المحبوب الحق فهو محبوب لغيره، وليس شيء يُحَبّ لنفسه إلا الله وحده، وكلّ ما سواه مما يُحَبّ فإنّما محبته تبع لمحبة الربّ تعالى٢، كمحبة ملائكته وأنبيائه وأوليائه، فإنّها تبع لمحبته سبحانه، وهي من لوازم محبته، فإنّ محبة المحبوب توجب محبةَ٣ ما يحبّه.

وهذا موضع يجب الاعتناء به، فإنّه محلّ فرقان بين المحبة النافعة لغيره، والتي٤ لا تنفع، بل قد تضرّ.

فاعلم أنّه لا يُحَبّ لذاته إلا مَن كماله من لِوازم ذاته، وإلهيتُه وربوبيته وغناه من لوازم ذاته. وما سواه فإنّما يبغض ويكرَه لمنافاته

  1. (١) رسمها في ل، ز: "إلى"، وكذا كان في ف، فأصلحه بعض القراء.
  2. (٢) ز: "محبته من محبة الربّ تعالى".
  3. (٣) "محبة" ساقط من ف.
  4. (٤) ف: "والمحبة التي".
451

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي