الداء والدواء

كشرب الدواء الكريه.

قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ٢١٦﴾ [البقرة: ٢١٦]، فأخبر سبحانه أنّ القتال مكروه لهم، مع أنّه خير لهم لإفضائه إلى أعظم محبوب١ وأنفعه.

والنفوس تحبّ الراحة والدعة٢ والرفاهية، وذلك شرّ لها لإفضائه إلى فوات هذا المحبوب. فالعاقل لا ينظر إلى لذة المحبوب العاجل فيؤثرها، وألم المكروه العاجل فيرغب عنه، فإنّ ذلك قد يكون شرّا له؛ بل قد يجلب عليه غاية الألم، ويفوّته أعظمَ اللذّة. بل٣ عقلاء الدنيا يتحمّلون المشاقّ المكروهة لما يُعقِبهم٤ من اللذة بعدها، وإن كانت منقطعة.

فالأمور أربعة:

مكروه يُوصِل إلى مكروه.

ومكروه يوصل إلى محبوب.

ومحبوب يوصل إلى محبوب.

ومحبوب يوصل إلى مكروه٥.

  1. (١) س: "المحبوب".
  2. (٢) ز: "الفُرْغة"، تحريف.
  3. (٣) في ف واو العطف مكان "بل".
  4. (٤) يعني: تحمل المشاقّ. وفي ف: "تعقبهم"، يعني: المشاقّ.
  5. (٥) ف، ز: "ومكروه يوصل إلى محبوب"، وهو خطأ، فقد سبق هذا القسم. وقد =
453

فالمحبوب الموصل إلى المحبوب قد اجتمع فيه داعي الفعل من وجهين، والمكروه الموصل إلى مكروه قد اجتمع فيه١ داعي الترك من وجهين.

بقي القسمان الآخران يتجاذبهما الداعيان، وهما معترك الابتلاء والامتحان. فالنفس تؤثر أقربهما جوارًا منهما، وهو العاجل. والعقل والإيمان يؤثران٢ أنفعهما وأبقاهمًا. والقلب بين الداعيين، وهو إلى هذا مرةً، وإلى هذا مرةً.

وها هنا محلّ الابتلاء شرعًا وقدرًا. فداعي العقل والإيمان ينادي٣ كل وقت: حيَّ على الفلاح، عند الصباح يحمد القومُ السُّرى٤، وفي الممات يحمد العبدُ التُّقَى. فإن اشتدّ ظلام ليل المحبة، وتحكّم سلطان الشهوة والإرادة يقول٥: يا نفس اصبري،

فما هي إلا ساعة ثم تنقضيويذهب هذا كلُّه ويزولُ٦
  1. = سقط القسمان الأخيران من ل.
  2. (١) "داعي الفعل … فيه" ساقط من ف، ل.
  3. (٢) ما عدا س: "يؤثر" بالإفراد، وهو جيد أيضًا.
  4. (٣) "اوها هنا … الإيمان" ساقط من س. وفيها: "وإلى هذا ينادي".
  5. (٤) من الأمثال السائرة، يضرب للرجل يحتمل المشقّة رجاء الراحة. مجمع الأمثال (٢/ ٣١٨).
  6. (٥) جواب إنْ، وكذا جاء مضارعًا مرفوعًا في جميع النسخ.
  7. (٦) أنشده المؤلف في البدائع (٦٧٢)، ومدارج السالكين (٣/ ٢٢٩)، وروضة المحبين (٨٠). وللبهاء زهير بيت يشبهه، وصدره (ديوانه: ٢١٠):
    وما هي إلا غَيبة ثم نلتقي
454

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي