الداء والدواء

فالمحبوب الموصل إلى المحبوب قد اجتمع فيه داعي الفعل من وجهين، والمكروه الموصل إلى مكروه قد اجتمع فيه١ داعي الترك من وجهين.

بقي القسمان الآخران يتجاذبهما الداعيان، وهما معترك الابتلاء والامتحان. فالنفس تؤثر أقربهما جوارًا منهما، وهو العاجل. والعقل والإيمان يؤثران٢ أنفعهما وأبقاهمًا. والقلب بين الداعيين، وهو إلى هذا مرةً، وإلى هذا مرةً.

وها هنا محلّ الابتلاء شرعًا وقدرًا. فداعي العقل والإيمان ينادي٣ كل وقت: حيَّ على الفلاح، عند الصباح يحمد القومُ السُّرى٤، وفي الممات يحمد العبدُ التُّقَى. فإن اشتدّ ظلام ليل المحبة، وتحكّم سلطان الشهوة والإرادة يقول٥: يا نفس اصبري،

فما هي إلا ساعة ثم تنقضيويذهب هذا كلُّه ويزولُ٦
  1. = سقط القسمان الأخيران من ل.
  2. (١) "داعي الفعل … فيه" ساقط من ف، ل.
  3. (٢) ما عدا س: "يؤثر" بالإفراد، وهو جيد أيضًا.
  4. (٣) "اوها هنا … الإيمان" ساقط من س. وفيها: "وإلى هذا ينادي".
  5. (٤) من الأمثال السائرة، يضرب للرجل يحتمل المشقّة رجاء الراحة. مجمع الأمثال (٢/ ٣١٨).
  6. (٥) جواب إنْ، وكذا جاء مضارعًا مرفوعًا في جميع النسخ.
  7. (٦) أنشده المؤلف في البدائع (٦٧٢)، ومدارج السالكين (٣/ ٢٢٩)، وروضة المحبين (٨٠). وللبهاء زهير بيت يشبهه، وصدره (ديوانه: ٢١٠):
    وما هي إلا غَيبة ثم نلتقي
454

فصل

وإذا كان الحبّ أصل كل عمل من حق وباطل، فأصل الأعمال الدينية حب الله ورسوله، كما أنّ أصل الأقوال الدينية تصديق الله ورسوله.

وكلّ إرادة تمنع كمال الحبّ لله ورسوله وتزاحم هذه المحبة، أو شبهةِ تمنع كمال التصديق؛ فهي معارِضة لأصل الإيمان أو مُضْعِفة له. فإنْ قويت حتى عارضت أصلَ الحبّ والتصديق كانت كفرًا وشركًا أكبرَ، وإنْ لم تعارضه قدحتْ في كماله، وأثّرت فيه ضعفًا وفتورًا في العزيمة والطلب. وهي تحجب الواصل، وتقطع الطالب، وتنكس الراغب.

فلا تصحّ الموالاة إلا بالمعاداة، كما قال تعالى عن إمام١ الحنفاء المحبين أنه قال لقومه: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ٧٥ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ ٧٦ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ ٧٧﴾ [الشعراء: ٧٥ - ٧٧]. فلم تصحّ لخليل الله الموالاة٢ والخلة إلا بتحقيق هذه المعاداة فإنّه لا وَلاءَ إلّا ببراء٣، أو،٤ لا وَلاءَ لله إلّا بالبراءة٥ من كل معبود سواه. قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الممتحنة: ٤].

  1. (١) "عن إمام" ساقط من ل.
  2. (٢) ما عدا س: "فلم يصحّ … هذه الموالاة".
  3. (٣) س: "ببراءة".
  4. (٤) ما بين الحاصرتين من خب.
  5. (٥) ف، ز: "بالبراء". وقد ضرب في ز على "إلا ببراء … لله" لتكون العبارة: "فإنه لا ولاء لله إلا بالبراءة … ".
455

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي