وقال تعالى١: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ ٢٦ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ ٢٧﴾[الزخرف: ٢٦، ٢٧]. أي جعل هذه الموالاة لله والبراءة٢ من كل معبود سواه كلمةً باقيةً في عقبه، يتوارثها الأنبياء وأتباعهم بعضهم عن بعض. وهي كلمة٣ لا إله إلا الله، وهي التي ورّثها إمامُ الحنفاء لأتباعه إلى يوم القيامة.
وهي الكلمة التي قامت بها الأرض والسماوات، وفطر الله عليها جميع المخلوقات. وعليها أُسِّست الملّة، ونُصِبت القبلة، وجُرّدت سيوف الجهاد، وهي محض حقّ الله على جميع العباد. وهي الكلمة
العاصمة للدم والمال والذريّة في هذه الدار، والمنجيةُ من عذاب القبر وعذاب النار. وهي المنشور الذي لا يدخل أحد٤ الجنةَ إلا به، والحبل الذي لا يصل إلى الله من لم يتعلق٥ بسببه.
وهي كلمة الإسلام، ومفتاح دار السلام. وبها انقسم الناس إلى شقي وسعيد، ومقبول وطريد. وبها انفصلت دار الكفر من دار الإيمان، وتميّزت دار النعيم من دار الشقاء والهوان. وهي العمود الحامل للفرض والسنّة، "ومن كان آخر كلامه: لا إله إلا الله، دخل الجنّة"٦.
(١) "وقال تعالى" لم يرد في ف.
(٢) ف: "البراء".
(٣) "كلمة" لم ترد في ف.
(٤) "أحد" ساقط من ز.
(٥) س: "إلّا من تعلق".
(٦) هذا لفظ حديث أخرجه أبو داود (٣١١٦) وأحمد ٥/ ٢٣٣ (٢٢٠٣٤) والبزار في مسنده (٢٦٢٦) والحاكم ١/ ٥٠٣ (١٢٩٩) وغيرهم من طريق صالح بن أبي عريب عن كثير بن مرة عن معاذ بن جبل فذكره مرفوعًا. قال الحاكم: "هذا =
وروح هذه الكلمة وسرّها: إفراد الربّ -جلّ ثناؤه، وتقدّست أسماؤه، وتبارك اسمه، وتعالى جدّه، ولا إله غيره- بالمحبة والإجلال والتعظيم والخوف والرجاء، وتوابع ذلك من التوكل١ والإنابة والرغبة والرهبة. فلا يُحَبَّ سواه، وكلّ ما يُحَبّ غيره فإنّما يحَبّ تبعًا لمحبته وكونِه وسيلةً إلى زيادة محبته. ولا يُخاف سواه ولا يُرجى سواه، ولا يُتوكَّل إلا عليه، ولا يُرغَب إلا إليه، ولا يُرهَب إلا منه، ولا يُحلَف إلا باسمه، ولا ينذَر إلا له، ولا يتاب إلا إليه، ولا يطاع إلا أمرُه، ولا يتحسّب إلا به، ولا يستغاث٢ في الشدائد إلا به، ولا يلتجأ٣ إلا إليه، ولا يُسجَد إلا له، ولا يُذبَح إلا له وباسمه. ويجتمع ذلك كلّه في حرف واحد، وهو أن لا يَعُبدَ إلا إيّاه بجميع أنواع العبادة، فهذا هو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله.
ولهذا حرم الله على النار من شهد أن لا إله إلا الله حقيقة الشهادة٤. ومحال أن يدخل النار من تحقق بحقيقة هذه الشهادة وقام
= حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه … ". قلت: فيه صالح بن أبي عريب. ذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن القطان: لا يعرف له حال. وقال ابن حجر: مقبول. تهذيب الكمال (١٣/ ٧٣). وأخرج مسلم (٢٦) عن عثمان قال: قال رسول الله ﷺ: "من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنّة".
(١) س: "والتوكل".
(٢) ل: "ولا يستعان".
(٣) ف: "يلجأ". ز: "ملتجأ".
(٤) كما في حديث أنس بن مالك ﵁. أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب من خص بالعلم قومًا دون قوم … (١٢٨)، ومسلم في الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنّة قطعا (٣٢).