وروح هذه الكلمة وسرّها: إفراد الربّ -جلّ ثناؤه، وتقدّست أسماؤه، وتبارك اسمه، وتعالى جدّه، ولا إله غيره- بالمحبة والإجلال والتعظيم والخوف والرجاء، وتوابع ذلك من التوكل١ والإنابة والرغبة والرهبة. فلا يُحَبَّ سواه، وكلّ ما يُحَبّ غيره فإنّما يحَبّ تبعًا لمحبته وكونِه وسيلةً إلى زيادة محبته. ولا يُخاف سواه ولا يُرجى سواه، ولا يُتوكَّل إلا عليه، ولا يُرغَب إلا إليه، ولا يُرهَب إلا منه، ولا يُحلَف إلا باسمه، ولا ينذَر إلا له، ولا يتاب إلا إليه، ولا يطاع إلا أمرُه، ولا يتحسّب إلا به، ولا يستغاث٢ في الشدائد إلا به، ولا يلتجأ٣ إلا إليه، ولا يُسجَد إلا له، ولا يُذبَح إلا له وباسمه. ويجتمع ذلك كلّه في حرف واحد، وهو أن لا يَعُبدَ إلا إيّاه بجميع أنواع العبادة، فهذا هو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله.
ولهذا حرم الله على النار من شهد أن لا إله إلا الله حقيقة الشهادة٤. ومحال أن يدخل النار من تحقق بحقيقة هذه الشهادة وقام
= حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه … ". قلت: فيه صالح بن أبي عريب. ذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن القطان: لا يعرف له حال. وقال ابن حجر: مقبول. تهذيب الكمال (١٣/ ٧٣). وأخرج مسلم (٢٦) عن عثمان قال: قال رسول الله ﷺ: "من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنّة".
(١) س: "والتوكل".
(٢) ل: "ولا يستعان".
(٣) ف: "يلجأ". ز: "ملتجأ".
(٤) كما في حديث أنس بن مالك ﵁. أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب من خص بالعلم قومًا دون قوم … (١٢٨)، ومسلم في الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنّة قطعا (٣٢).
بها، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ ٣٣﴾[المعارج: ٣٣]، فيكون قائمًا بشهادته في ظاهره وباطنه، في قلبه وقالبه. فإنّ من الناس من تكون شهادته ميتة، ومنهم من تكون نائمةً إذا نبهت انتبهت، ومنهم من تكون مضطجعةً، ومنهم من تكون إلى القيام أقرب. وهي في القلب بمنزلة
الروح في البدن، فروح ميتة وروح مريضة إلى الموت أقرب، وروح إلى الحياة أقرب، وروح صحيحة قائمة بمصالح البدن.
وفي الحديث الصحيح عنه ﷺ: "إنّي لأعلم كلمةً لا يقولها عبدٌ عند الموت إلا وجدتْ روحُه لها رَوحًا"١.
فحياة الروح بحياة هذه الكلمة٢ فيها، كما أنّ حياة البدن بوجود الروح فيه. وكما أنّ من مات على هذه الكلمة فهو في الجنّة يتقلَّب فيها، فمن عاش على تحقيقها والقيام بها فروحه تتقلّب في جنة المأوى، وعيشه أطيب عيش. قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ٤٠ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ٤١﴾[النازعات: ٤٠، ٤١].
فالجنة مأواه يوم اللقاء، وجنّةُ المعرفة والمحبة والأنسِ بالله
(١) أخرجه ابن ماجه (٣٧٩٥) والنسائي في عمل اليوم والليلة (١١٠١) وابن حبان (٢٠٥). من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي عن يحيى بن طلحة عن أمه سعدى المرية زوج طلحة بن عبيد الله قالت: مرّ عمر بن الخطاب بطلحة فذكره مطولًا. وسنده صحيح. ورواه مجالد بن سعيد عن الشعبي عن جابر بن عبد الله سمعت عمر بن الخطاب يقول لطلحة بن عبيد الله فذكره. أخرجه أحمد ١/ ٢٨ (١٨٧) وأبو يعلى (٦٤٥) وغيرهما. وفيه مجالد لين الحفظ، فلعله وهم فيه. والحديث صححه ابن حبان والمؤلف وغيرهما.