الداء والدواء

والشوقِ إلى لقائه والفرح١ والرضى به وعنه مأوى روحه في هذه الدار. فمن كانت هذه الجنّة مأَواه ها هنا، كانت جنة الخلد مأواه يوم المعاد. ومن حُرِم هذه الجنّة، فهو لتلك أشدّ حرمانًا. والأبرار في النعيم، وإن اشتدّ بهم العيش، وضاقت عليهم الدنيا. والفجار في جحيم، وإن اتسعت عليهم الدنيا.

قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧].

وطيب الحياة جنة الدنيا.

وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥].

فأيّ نعيمٍ أطيبُ من شرح الصدر؟ وأيّ عذابٍ أمرُّ من ضيق الصدر؟ وقال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ٦٢ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ٦٣ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ٦٤﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٤].

فالمؤمن المخلص لله من أطيب الناس عيشًا، وأنعمهم بالًا، وأشرحهم صدرًا، وأسرّهم قلبًا. وهذه جنة عاجلة قبل الجنّة الآجلة.

قال النبي ﷺ: "إذا مررتم برياض الجنّة فارتعوا". قالوا: وما رياض الجنّة؟ قال: "حِلَق الذكر"٢.

  1. (١) ل، ز: "الفرح به".
  2. (٢) تقدّم تخريجه في ص (٢٨١).
459

ومن هذا: قوله ﷺ: "ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنّة"١.

ومن هذا قوله، وقد سألوه عن وصاله في الصوم، فقال: "إنّي لستُ كهيئتكم، إنّي أظَلُّ عند ربّي يطعمني ويسقيني"٢. فأخبر ﷺ أنّ ما يحصل له من الغذاء عند ربه يقوم مقام الطعام والشراب الحسّي، وأنّ ما يحصل له من ذلك أمر يختصّ٣ به، لا يشركه فيه غيره، فإذا أمسك عن الطعام والشراب فله عنه عوض يقوم مقامه، وينوب منابه، ويغني عنه، كما قيل٤:

لها أحاديث من ذكراك تَشغلهاعن الشراب وتُلهيها عن الزادِ
لها بوجهك نور تستضيء بهومن حديثك في أعقابها حادِ٥
إذا شكَتْ من كَلال السيرِ أُوعِدُهارَوْحَ اللقاء فتحيا عند ميعادِ٦
  1. (١) تقدّم تخريجه في ص (٢٨٢).
  2. (٢) من حديث عائشة ﵂. أخرجه البخاري في الصوم، باب الوصال … (١٩٦٤)؛ ومسلم في الصيام، باب النهي عن الوصال في الصوم (١١٠٥).
  3. (٣) ف، ل: "مختص". وفي ز: "عوض يقوم" مكان "من ذلك أمر"، وهو خطأ.
  4. (٤) أوردها المؤلف في زاد المعاد (٢/ ٣٣)، ومفتاح دار السعادة (١/ ١٨٥)، وروضة المحبين (١٦٥). وهي لإدريس بن أبي حفصة من قصيدة له في إسحاق بن إبراهيم المصعبي. انظر: الأنوار للشمشاطي (١/ ٤٠٠) وقد ورد فيه وفي المدهش (٤٥٥)، وديوان المعاني (١/ ٦٣)، والحماسة البصرية (٤٨٤) البيتان الأولان مع بيت ثالث غير المذكور هنا.
  5. (٥) وفي المدهش: "من نوالك". وفي المصادر الأخرى: "من رجائك".
  6. (٦) في المفتاح والزاد: "روح القدوم".
460

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي