الداء والدواء

ومن هذا: قوله ﷺ: "ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنّة"١.

ومن هذا قوله، وقد سألوه عن وصاله في الصوم، فقال: "إنّي لستُ كهيئتكم، إنّي أظَلُّ عند ربّي يطعمني ويسقيني"٢. فأخبر ﷺ أنّ ما يحصل له من الغذاء عند ربه يقوم مقام الطعام والشراب الحسّي، وأنّ ما يحصل له من ذلك أمر يختصّ٣ به، لا يشركه فيه غيره، فإذا أمسك عن الطعام والشراب فله عنه عوض يقوم مقامه، وينوب منابه، ويغني عنه، كما قيل٤:

لها أحاديث من ذكراك تَشغلهاعن الشراب وتُلهيها عن الزادِ
لها بوجهك نور تستضيء بهومن حديثك في أعقابها حادِ٥
إذا شكَتْ من كَلال السيرِ أُوعِدُهارَوْحَ اللقاء فتحيا عند ميعادِ٦
  1. (١) تقدّم تخريجه في ص (٢٨٢).
  2. (٢) من حديث عائشة ﵂. أخرجه البخاري في الصوم، باب الوصال … (١٩٦٤)؛ ومسلم في الصيام، باب النهي عن الوصال في الصوم (١١٠٥).
  3. (٣) ف، ل: "مختص". وفي ز: "عوض يقوم" مكان "من ذلك أمر"، وهو خطأ.
  4. (٤) أوردها المؤلف في زاد المعاد (٢/ ٣٣)، ومفتاح دار السعادة (١/ ١٨٥)، وروضة المحبين (١٦٥). وهي لإدريس بن أبي حفصة من قصيدة له في إسحاق بن إبراهيم المصعبي. انظر: الأنوار للشمشاطي (١/ ٤٠٠) وقد ورد فيه وفي المدهش (٤٥٥)، وديوان المعاني (١/ ٦٣)، والحماسة البصرية (٤٨٤) البيتان الأولان مع بيت ثالث غير المذكور هنا.
  5. (٥) وفي المدهش: "من نوالك". وفي المصادر الأخرى: "من رجائك".
  6. (٦) في المفتاح والزاد: "روح القدوم".
460

فصل١

وكلّما كان وجود الشيء أنفعَ للعبد وهو إليه أحوج، كان تألّمه بفقده أشدّ. وكلّما كان عدمه أنفع له٢ كان تألّمه بوجوده أشدّ٣. ولا شيء على الإطلاق أنفع للعبد من إقباله على الله، واشتغاله بذكره٤، وتنعّمه بحبه، وإيثاره لمرضاته؛ بل لا حياة له ولا نعيم ولا سرور٥ ولا بهجة إلا بذلك. فعدمه آلَمُ شيء له، وأشدّه عذابًا عليه. وإنما يغيّب الروحَ عن شهود هذا الألم والعذاب اشتغالُها بغيره، واستغراقها في ذلك الغير، فتغيب به٦ عن شهود ما هي فيه من ألم الفوت بفراق أحبِّ شيء إليها وأنفعه لها.

وهذا بمنزلة السكران، المستغرقِ في سكره، الذي احترقت٧ داره وأمواله وأهله وأولاده، وهو لاستغراقه في السكر لا يشعر بألم ذلك٨ الفوت وحسرته، حتى إذا صحا وكُشِف عنه غطاءُ السكر، وانتبه من رقدة الخمر٩، فهو أعلم بحاله حينئذ.

  1. (١) كلمة "فصل" ساقطة من النسخ المطبوعة.
  2. (٢) "له" ساقط من ل.
  3. (٣) ف: "أنفع وأشد"، وهو غلط.
  4. (٤) "بذكره" ساقط من ز.
  5. (٥) "ولا سرور" ساقط من ز. وزاد في ف بعد "نعيم" و"سرور": "له".
  6. (٦) "عن شهود هذا … به" ساقط من ف.
  7. (٧) س: "أحرق".
  8. (٨) "ذلك" ساقط من ف.
  9. (٩) س: "رقدته"، وفي الحاشية: "خ رقدة الخمر".
461

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي