الداء والدواء

فُتُّك فاتك كلُّ شيء. وأنا أحب إليك من كلّ شيء"١.

فصل

ولما كانت المحبة جنسًا تحته أنواع متفاوتة في القدر والوصف، كان أغلب ما يُذكَر٢ فيها في حقّ الله تعالى ما يختصّ به ويليق به من أنواعها، ولا يصلح إلا له وحده، مثل العبادة والإنابة ونحوهما٣؛ فإنّ العبادة لا تصلح إلا له وحده، وكذلك الإنابة٤.

وقد تذكر المحبة باسمها المطلق، كقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥].

وأعظم أنواع المحبة المذمومة: المحبّة مع الله، التي يسوّي المحبّ فيها بين محبته لله ومحبته للندّ٥ الذي اتخذه من دونه. وأعظم أنواعها المحمودة: محبة الله وحده، ومحبة ما أحبّ. وهذه المحبة هي أصل السعادة ورأسها، التي لا ينجو أحد من العذاب إلا بها. والمحبة المذمومة الشركية هي أصل الشقاوة ورأسها، التي لا يبقي في العذاب إلا أهلها. فأهل المحبة الذين أحبّوا الله، وعبدوه وحده لا شريك له،

  1. (١) وهو أثر إسرائيلي كما نصّ على ذلك شيخ الإِسلام في الفتاوى (٨/ ٥٢).
    وذكره المصنف في طريق الهجرتين (٥٢٦،٩٥) ومدارج السالكين (٢/ ٣٤٩، ٤٥٢)، (٣/ ٢٩١، ٣٢٤، ٤١١).
  2. (٢) ف: "نذكره".
  3. (٣) ز: "ونحوها".
  4. (٤) انظر: إغاثة اللهفان (٨٤٠).
  5. (٥) س: "محبة الله ومحبة الند".
463

لا يدخلون النار، ومن دخلها منهم بذنوبه فإنّه لا يبقى١ فيها منهم أحد.

ومدار القرآن٢ على الأمر بتلك المحبة ولوازمها، والنهي عن المحبة الأخرى٣ ولوازمها، وضرب الأمثال والمقاييس للنوعين، وذكر قصص النوعين، وتفصيل أعمال النوعين وأوليائهم ومعبودِ كليهما وأخباره عن فعله بالنوعين، وعن حال النوعين٤ في الدور الثلاثة: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار. فالقرآن في شأن النوعين.

وأصل دعوة جميع الرسل من أولهم إلى آخرهم إنّما هو٥ عبادة الله وحده لا شريك له، المتضمّنة لكمال حبّه، وكمال الخضوع والذلّ له، والإجلال والتعظيم، ولوازم ذلك من الطاعة والتقوى.

وقد ثبت في الصحيحين٦ من حديث أنس عن النبي ﷺ أنّه قال: "والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين".

وفي صحيح البخاري٧ أنّ عمر بن الخطاب ﵁ قال:

  1. (١) ف: "دخلها بذنوبه لا يبقى".
  2. (٢) انظر: إغاثة اللهفان (٨٤٠).
  3. (٣) ف: "تلك المحبة الأخرى".
  4. (٤) "وأوليائهم … النوعين" ساقط من ف، ل.
  5. (٥) ف: "هي".
  6. (٦) أخرجه البخاري في الإيمان، باب حب الرسول ﷺ من الإيمان (١٥)؛ ومسلم في الإيمان، باب وجوب محبة رسول الله ﷺ … (٤٤).
  7. (٧) في الأيمان والنذور، باب كيف كانت يمين النبي ﷺ (٦٦٣٢). من حديث عبد الله بن هشام ﵁.
464

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي