وكلّ حركة في العالم العلوي والسفلي فأصلها المحبة، فهي علّتها الفاعليّة والغائية١.
وذلك لأنّ الحركات ثلاثة أنواع: حركة اختيارية إرادية، وحركة طبيعية، وحركة قسرية.
والحركة الطبيعية٢ أصلها السكون، وإنّما يتحرّك الجسم إذا خرج عن مستقرّه ومركزه الطبيعي٣، فهو يتحرك للعود إليه. وخروجه عن مركزه ومستقره إنما هو بتحريك القاسر المحرِّك له. فله حركة قسرية بمحرِّكه٤ وقاسره، وحركة طبيعية بذاته يطلب بها العود إلى مركزه. وكلا حركتيه٥ تابعة للقاسر المحرِّك، فهو أصل الحركتين.
والحركة الاختيارية الإرادية هي٦ أصل الحركتين الأخريين، وهي تابعة للإرادة والمحبة، فصارت الحركات الثلاث تابعةً للمحبة والإرادة.
(١) انظر: روضة المحبين (١٤٦)، "الباب الرابع في أنّ العالم العلوي والسفلي إنما وجد بالمحبة ولأجلها، وأن حركات الأفلاك والشمس والقمر والنجوم وحركات االملائكة والحيوانات وحركة كل متحرك إنما وجدت بسبب الحبّ". وانظر: إغاثة اللهفان (٨٢٤، ٨٢٧، ٨٣٧).
(٢) ز: "فالحركة الطبيعية".
(٣) ف: "الطبعي".
(٤) س: "بتحريك محركه". وفي ف: "محركةٌ وقاسرةٌ"، خطأ. وكذا في ل دون ضبط.
(٥) الوجه: "كلتا حركتيه" ولكن كذا في جميع النسخ، وله نظائر في كتب المؤلف.
(٦) "أصل الحركتين … هي" ساقط من ل.
والدليل١ على انحصار الحركات في هذه الثلاث أنّ المتحرك إن كان له شعور بالحركة فهي الإرادية، وإن لم يكن له شعور بها، فإما أن تكون على وفق طبعه أو لا. فالأولى هي الطبيعية٢، والثانية القسرية.
إذا ثبت هذا، فما في السموات والأرض وما بينهما من حركات الأفلاك والشمس والقمر والنجوم والرياح والسحاب والمطر والنبات وحركات الأجِنّة في بطون أمهاتها، فإنّما هي بواسطة الملائكة المدبّرات أمرًا والمقسمات أمرًا، كما دلّ على ذلك نصوص القرآن والسنة في غير موضع.
والإيمان بذلك من تمام الإيمان بالملائكة، فإن الله وكّل بالرحم ملائكة، وبالقَطْر ملائكة، وبالنبات٣ ملائكة، وبالرياح، وبالأفلاك، وبالشمس والقمر والنجوم.
ووكّل بكل عبد أربعة من الملائكة: كاتبَين على يمينه٤ وشماله، وحافظَين من بين يديه ومن خلفه. ووكّل ملائكةً بقبض روحه وتجهيزها إلى مستقرّها من الجنّة أو النار٥، وملائكةً بمسألته وامتحانه في قبره وعذابه هناك أو نعيمه٦، وملائكةً تسوقه إلى المحشر إذا قام من قبره،