ووكّل بالجبال ملائكة، وبالسحاب ملائكةً تسوقه حيث أُمِرَتْ به، وبالقَطْر ملائكة تُنزله بأمر الله بقدر معلوم كما شاء الله، ووكّل ملائكةً بغرس الجنّة وعمل آلتها٢ وفرشها وبنائها٣ والقيام عليها، وملائكةً بالنار كذلك.
فأعظم جند الله الملائكة. ولفظ "الملَك" يُشعِر بأنّه رسول منفّذ لأمر غيره وليس٤ لهم من الأمر شيء، بل الأمر كلّه لله. وهم يدبّرون الأمر، ويقسّمونه بأمر الله وإذنه.
وقد ذكرنا معنى ذلك وسرّ الإقسام به في كتاب "أيمان القرآن"١.
وإذا٢ عُرف ذلك فجميع تلك المحبّات والحركات والإرادات والأفعال هي عبادةٌ منهم لربّ الأرض والسماوات، وجميع الحركات الطبيعية٣ والقسرية تابعةٌ لها. فلولا الحبّ ما دارت الأفلاك، ولا تحركت الكواكب النيّرات٤، ولا هبّت الرياح المسخَرات، ولا مرّت السُّحُب الحاملات، ولا تحرّكت الأجنّة في بطون الأمهات، ولا انصدع عن الحَبّ أنواع النبات، ولا اضطرَبت أمواج البحار الزاخرات، ولا تحركت٥ المدبّرات والمقسّمات، ولا سبّحت بحمد فاطرها الأرضون والسماوات، وما فيها٦ من أنواع المخلوقات. فسبحان من٧ تسبّحه السماوات السبع والأرض ومن فيهنّ، ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ٤٤﴾[الإسراء: ٤٤].
فصل
إذا عُرف٨ ذلك فكل حيٍّ له إرادة ومحبة وعمل بحسبه، وكل متحرّك فأصل حركته٩: المحبة والإرادة. ولا صلاح للموجودات إلا
(١) وهو المطبوع بعنوان "التبيان في أقسام القرآن"، انظر ص (٨٣، ٨٩، ٢٥٨).