وقد ذكرنا معنى ذلك وسرّ الإقسام به في كتاب "أيمان القرآن"١.
وإذا٢ عُرف ذلك فجميع تلك المحبّات والحركات والإرادات والأفعال هي عبادةٌ منهم لربّ الأرض والسماوات، وجميع الحركات الطبيعية٣ والقسرية تابعةٌ لها. فلولا الحبّ ما دارت الأفلاك، ولا تحركت الكواكب النيّرات٤، ولا هبّت الرياح المسخَرات، ولا مرّت السُّحُب الحاملات، ولا تحرّكت الأجنّة في بطون الأمهات، ولا انصدع عن الحَبّ أنواع النبات، ولا اضطرَبت أمواج البحار الزاخرات، ولا تحركت٥ المدبّرات والمقسّمات، ولا سبّحت بحمد فاطرها الأرضون والسماوات، وما فيها٦ من أنواع المخلوقات. فسبحان من٧ تسبّحه السماوات السبع والأرض ومن فيهنّ، ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ٤٤﴾[الإسراء: ٤٤].
فصل
إذا عُرف٨ ذلك فكل حيٍّ له إرادة ومحبة وعمل بحسبه، وكل متحرّك فأصل حركته٩: المحبة والإرادة. ولا صلاح للموجودات إلا
(١) وهو المطبوع بعنوان "التبيان في أقسام القرآن"، انظر ص (٨٣، ٨٩، ٢٥٨).
(٢) ف: "وإذ".
(٣) ف: "المطبعية".
(٤) "النيرات" ساقط من س.
(٥) "الأجنّة … تحركت" ساقط من س.
(٦) ف، ز: "فيهما".
(٧) "من" ساقط من س.
(٨) س: "عرفت". ل: "وإذا عرف".
(٩) س: "حركاته".
بأن تكون حركاتها١ ومحبتها لفاطرها وبارئها وحده، كما لا وجود لها إلا بإبداعه٢ وحده.
ولهذا قال تعالى ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾[الأنبياء: ٢٢]، ولم يقل سبحانه: لَما وُجدتا ولكانتا معدومتين، ولا قال٣: لَعُدِمتا، إذ هو سبحانه قادر على أن يُبقيهما على وجه الفساد، لكن لا يمكن أن يكونا على وجه الصلاح والاستقامة، إلا بأن يكون الله وحده هو٤ معبودَهما ومعبودَ ما حَوَتاه وسكن فيهما. فلو كان للعالم إلهان لفسد نظامه غاية الفساد، فإنّ كلّ إله كان يطلب مغالبةَ الآخر، والعلوَّ عليه، وتفرّدَه دونه بالإلهية؛ إذ الشرك نقص ينافي كمال الإلهية، والإله لا يرضى لنفسه أن يكون إلهًا ناقصًا. فإن قهر أحدهما الآخر كان هو الإله وحده، والمقهور ليس بإله. وإن لم يقهر أحدهما الآخر لزم عجزُ كلّ منهما ونقصُه، ولم يكن تامَّ الإلهية، فيجب أن يكون فوقهما إله قاهر لهما، حاكم عليهما، وإلا ذهب كلّ منهما بما خلق، وطلب كل منهما العلوّ على الآخر. وفي ذلك فساد أمر٥ السماوات والأرض ومن فيهما٦، كما هو المعهود من فساد البلد إذا كان فيه ملِكان متكافئان٧، وفساد الزوجة إذا كان لها