وأصل فساد العالم إنّما هو من اختلاف الملوك والخلفاء. ولهذا لم يطمع أعداء الإِسلام فيه في زمن من الأزمنة إلا في زمن تعدّد ملوك المسلمين واختلافهم وانفراد كل٣ منهم ببلاد، وطلب بعضهم العلوّ على بعض.
فصلاح السماوات والأرض٤ واستقامتهما وانتظام أمر المخلوقات على أتمّ نظام من أظهر الأدلّة على أنه لا إله إلا الله٥ وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كلّ شيء قدير، وأنّ كل معبود من لدن عرشه٦ إلى قرار أرضه باطل إلا وجهَه الأعلى.
(١) الشَّوْلُ: النُّوق التي خفّ لبنها وارتفع ضرعها وأتى عليها من نتاجها سبعة أشهر أو ثمانية، الواحدة شائلة. واما الشائل بلا هاء فهي الناقة التي تشول بذنَبها لِلقِّاح ولا لبن لها أصلًا، والجمع شُوَّلٌ. انظر: الصحاح (شول).
(٢) كذا ورد في النسخ وطبعات الكتاب، وكلمة "الشَّوْل" مؤنثة وكذا "الشُّوَّل".
فقيل: المعنى: لابتغَوا السبيلَ إليه بالمغالبة والقهر، كما يفعل الملوك بعضهم مع بعض. ويدل عليه قوله في الآية الأخرى: ﴿وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ٩١﴾[المؤمنون: ٩١].
قال شيخنا١: والصحيح أنّ المعنى: لابتغوا إليه سبيلًا بالتقرّب إليه وطاعته، فكيف تعبدونهم من دونه، وهم لو كانوا آلهةً كما تقولون لكانوا عبيدًا له؟
قال: ويدلّ على هذا وجوه:
منها: قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ٥٧﴾[الإسراء: ٥٧]. أي هؤلاء الذين تعبدونهم من دوني هم٢ عبادي، كما أنتم عبادي٣، يرجون رحمتي، ويخافون عذابي، فلماذا تعبدونهم دوني؟٤.
الثاني: أنّه سبحانه لم يقل: لابتغوا عليه سبيلًا، بل قال: لابتغوا
(١) يعني شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀. وانظر: مجموع الفتاوى (١٦/ ٥٧٧)، ودرء التعارض (٩/ ٣٥٠)، ورسالة في قنوت الأشياء (٢٣).