فقيل: المعنى: لابتغَوا السبيلَ إليه بالمغالبة والقهر، كما يفعل الملوك بعضهم مع بعض. ويدل عليه قوله في الآية الأخرى: ﴿وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ٩١﴾[المؤمنون: ٩١].
قال شيخنا١: والصحيح أنّ المعنى: لابتغوا إليه سبيلًا بالتقرّب إليه وطاعته، فكيف تعبدونهم من دونه، وهم لو كانوا آلهةً كما تقولون لكانوا عبيدًا له؟
قال: ويدلّ على هذا وجوه:
منها: قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ٥٧﴾[الإسراء: ٥٧]. أي هؤلاء الذين تعبدونهم من دوني هم٢ عبادي، كما أنتم عبادي٣، يرجون رحمتي، ويخافون عذابي، فلماذا تعبدونهم دوني؟٤.
الثاني: أنّه سبحانه لم يقل: لابتغوا عليه سبيلًا، بل قال: لابتغوا
(١) يعني شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀. وانظر: مجموع الفتاوى (١٦/ ٥٧٧)، ودرء التعارض (٩/ ٣٥٠)، ورسالة في قنوت الأشياء (٢٣).
(٢) "هم" من ف، ز.
(٣) "كما أنتم عبادي" ساقط من س.
(٤) ف، ل: "من دوني". وانظر: الصواعق (٤٦٣).
إليه سبيلًا. وهذا اللفظ إنّما يستعمل في التقرب، كقوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾[المائدة: ٣٥]. وأما في المغالبة فإنّما يستعمل بعَلَى كقوله: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾[النساء: ٣٤].
الثالث: أنهم لم يقولوا: إنّ آلهتهم تغالبه وتطلب العلوّ عليه، وهو سبحانه قد قال: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ﴾[الإسراء: ٤٢]، وهم إنما كانوا يقولون: إنّ آلهتهم تبتغي التقرّبَ إليه، وتُقرِّبهم زلفى إليه، فقال: لو كان الأمر كما تقولون لكانت تلك الآلهة عبيدًا له، فلماذا تعبدون عبيدَه مِن دونه؟
فصل
والمحبة لها آثار وتوابع ولوازم وأحكام، سواء كانت محمودة أو مذمومة، نافعة أو ضارّة، من الذوق، والوجد١، والحلاوة، والشوق، والأنس، والاتصال بالمحبوب والقرب منه، والانفصال عنه والبعد منه، والصدّ والهجران، والفرح والسرور، والبكاء والحزن، وغير ذلك من أحكامها ولوازمها.
والمحبة المحمودة هي المحبة النافعة التي تجلب لصاحبها ما ينفعه في دنياه وآخرته، وهذه المحبة هي عنوان سعادته والضارّة هي التي تجلب لصاحبها ما يضرّه في دنياه وآخرته، وهي عنوان شقاوته٢.
ومعلوم أنّ الحيّ العاقل لا يختار محبةَ ما يضرّه ويُشقيه، وإنّما يصدر ذلك عن جهلٍ وظلمٍ، فإنّ النفس قد تهوى ما يضرّها ولا ينفعها