- وذلك ظلم من الإنسان١ لنفسه- إما بأن تكون٢ جاهلةً بحال محبوبها بأن تهوى الشيء وتحبّه غيرَ عالمة بما في محبته من المضرّة، وهذا حال من اتبع هواه بغير علم؛ وإما عالمةً بما في محبته من المضرّة، لكن تُؤثر هواها على علمها؛ وقد تتركّب٣ محبتها من أمرين: اعتقاد فاسد، وهوى مذموم. وهذا حال من اتبع الظنّ وما تهوى الأنفس.
فلا تقع المحبة الفاسدة إلا من جهل واعتقاد فاسد، أو هوى غالب، أو ما تركّب من ذلك، وأعان بعضه بعضًا، فتتفق شبهةٌ يشتبه٤ بها الحقّ بالباطل تزيّن٥ له أمرَ المحبوب، وشهوةٌ تدعوه إلى حصوله. فيتساعد جيش الشبهة والشهوة على جيش العقل والإيمان، والغلبة لأقواهما.
وإذا عرف هذا، فتوابع كلّ نوع من أنواع المحبة٦ له حكم متبوعه٧. فالمحبة النافعة المحمودة التي هي عنوان سعادة العبد، توابعُها كلُّها نافعة له، حكمها حكم متبوعها. فإن بكى نفعه، وإن حزن نفعه، وإن فرح نفعه، وإن انقبض نفعه٨، وإن انبسط نفعه. فهو يتقلب
(١) ف: "من ظلم الإنسان".
(٢) ل: "إما تكون".
(٣) ف: "تركب".
(٤) ف: "شبهة شبهية". ز: "شبهة شبهة". وقبلها في ف، ل: "فيتفق"، وفي ز: "فينفق"، تصحيف.
(٥) ف: "يزين"، تصحيف.
(٦) "من أنواع" ساقط من ل.
(٧) كذا في جميع النسخ الخطية والمطبوعة. ووجه الكلام: "فتوابع كلّ نوع … لها حكم متبوعها".
(٨) "وإن انقبض نفعه" ساقط من ل.
في منازل المحبة وأحكامها في مزيد وربح وقوّة.
والمحبة الضارّة المذمومة، توابعُها وآثارها كلّها ضارّة لصاحبها، مُبعِدة له من ربّه، كيفما تقلّب في آثارها ونزل في منازلها فهو في خسارة وبعد.
وهذا شأن كلّ فعل تولّد عن طاعة ومعصية. فكل ما تولّد عن الطاعة فهو زيادة١ لصاحبه وقربة٢، وكل ما تولّد عن المعصية فهو خسران لصاحبه وبعد. قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ١٢٠ وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ١٢١﴾[التوبة: ١٢٠، ١٢١].
فأخبر سبحانه في الآية الأولى٣ أنّ المتولّد عن طاعتهم وأفعالهم٤ يُكتَب لهم به عمل صالح. وأخبر في الثانية٥ أنّ أعمالهم الصالحة التي باشروها تكتَب لهم أنفسُها. والفرق بينهما أنّ الأول ليس من فعلهم، وإنّما تولد عنه فكُتِب لهم به عمل صالح٦. والثاني نفس أفعالهم فكُتبت٧ لهم.