والمحبة الضارّة المذمومة، توابعُها وآثارها كلّها ضارّة لصاحبها، مُبعِدة له من ربّه، كيفما تقلّب في آثارها ونزل في منازلها فهو في خسارة وبعد.
وهذا شأن كلّ فعل تولّد عن طاعة ومعصية. فكل ما تولّد عن الطاعة فهو زيادة١ لصاحبه وقربة٢، وكل ما تولّد عن المعصية فهو خسران لصاحبه وبعد. قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ١٢٠ وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ١٢١﴾[التوبة: ١٢٠، ١٢١].
فأخبر سبحانه في الآية الأولى٣ أنّ المتولّد عن طاعتهم وأفعالهم٤ يُكتَب لهم به عمل صالح. وأخبر في الثانية٥ أنّ أعمالهم الصالحة التي باشروها تكتَب لهم أنفسُها. والفرق بينهما أنّ الأول ليس من فعلهم، وإنّما تولد عنه فكُتِب لهم به عمل صالح٦. والثاني نفس أفعالهم فكُتبت٧ لهم.
(١) ف: "في زيادة"، خطأ.
(٢) ف: "قرب".
(٣) ف: "في الأولى".
(٤) ز: "وانفصالهم".
(٥) س: "في الآية الثانية".
(٦) "وأخبر في الثانية … صالح" ساقط من ف.
(٧) ف: "فتكتب".
فليتأمَّلْ قتيلُ المحبة هذا الفصل حقَّ التأمل ليعلم ما له وما عليه:
سيعلم يومَ العرض أيَّ بضاعةٍأضاعَ وعند الوزن ما كان حَصّلا١
فصل
وكما أنّ المحبة٢ والإرادة أصل كل فعل كما تقدّم، فهي أصل كلّ دين سواء كان حقَّا أو باطلًا. فإنّ الدين هو من الأعمال الباطنة والظاهرة، والمحبّةُ والإرادةُ أصل ذلك كلّه.
والدين هو الطاعة والعادة٣ والخلُق. فهو الطاعة اللازمة الدائمة التي صارت خلُقًا وعادةً. ولهذا فسر الخلق بالدين في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ٤﴾[القلم: ٤].
قال الإِمام أحمد: عن ابن عيينة، قال ابن عباس: لعلى دين عظيم٤.
وسئلت عائشة عن خُلق رسول الله ﷺ، فقالت: كان خلقَه القرآنُ٥.
والدين فيه معنى الإذلال والقهر، وفيه معنى الذلّ والخضوع
(١) أنشد المؤلف في إغاثة اللهفان (٤٢٨ - ٤٢٩) مقطوعة بائية في أحد عشر بيتًا لعلها له، ومنها هذا البيت، إلا أن فيه هناك: "وعند الوزن ما خفّ أورَبَا".
(٢) س: "وكمال المحبة"، تحريف.
(٣) ما عدا ز: "العبادة"، تصحيف.
(٤) أخرجه الطبري (٢٩/ ١٨) من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس فذكره، وسنده حسن. ورواه عطاء عن ابن عباس، ذكره الواحدي في الوسيط (٤/ ٣٣٤).
(٥) أخرجه مسلم في صلاة المسافرين، باب جامع صلاة الليل (٧٤٦).