الداء والدواء

فليتأمَّلْ قتيلُ المحبة هذا الفصل حقَّ التأمل ليعلم ما له وما عليه:

سيعلم يومَ العرض أيَّ بضاعةٍأضاعَ وعند الوزن ما كان حَصّلا١

فصل

وكما أنّ المحبة٢ والإرادة أصل كل فعل كما تقدّم، فهي أصل كلّ دين سواء كان حقَّا أو باطلًا. فإنّ الدين هو من الأعمال الباطنة والظاهرة، والمحبّةُ والإرادةُ أصل ذلك كلّه.

والدين هو الطاعة والعادة٣ والخلُق. فهو الطاعة اللازمة الدائمة التي صارت خلُقًا وعادةً. ولهذا فسر الخلق بالدين في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ٤﴾ [القلم: ٤].

قال الإِمام أحمد: عن ابن عيينة، قال ابن عباس: لعلى دين عظيم٤.

وسئلت عائشة عن خُلق رسول الله ﷺ، فقالت: كان خلقَه القرآنُ٥.

والدين فيه معنى الإذلال والقهر، وفيه معنى الذلّ والخضوع

  1. (١) أنشد المؤلف في إغاثة اللهفان (٤٢٨ - ٤٢٩) مقطوعة بائية في أحد عشر بيتًا لعلها له، ومنها هذا البيت، إلا أن فيه هناك: "وعند الوزن ما خفّ أورَبَا".
  2. (٢) س: "وكمال المحبة"، تحريف.
  3. (٣) ما عدا ز: "العبادة"، تصحيف.
  4. (٤) أخرجه الطبري (٢٩/ ١٨) من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس فذكره، وسنده حسن. ورواه عطاء عن ابن عباس، ذكره الواحدي في الوسيط (٤/ ٣٣٤).
  5. (٥) أخرجه مسلم في صلاة المسافرين، باب جامع صلاة الليل (٧٤٦).
476

والطاعة. فلذلك يكون من الأعلى إلى الأسفل، كما يقال: دِنتُه فدانَ، أي قهرته فذلّ. قال الشاعر:

هو دانَ الرِّبابَ إذ كرهوا الـ .... ـدِّينَ فأضْحَوا بعزّة وصِيالِ١

ويكون من الأدنى للأعلى، كما يقال: دِنْتُ اللهَ، ودِنْتُ لِلَّهِ، وفلان لا يدين اللهَ دينًا، ولا يدين الله بدينٍ. فدان اللهَ أي: أطاع الله وأحبّه وخافه. ودان لله أي: خشع له وخضَع وذلّ وانقاد.

والدين٢ الباطن لا بد فيه من الحبّ والخضوع كالعبادة سواءً، بخلاف الدين الظاهر٣ فإنه لا يستلزم الحبّ، وإن كان فيه انقياد وذلّ في الظاهر.

وسمّى الله سبحانه يومَ القيامة "يومَ الدين" لأنّه اليوم الذي يدين فيه الناسَ بأعمالهم، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشرٌّ٤. وذلك يتضمّن جزاءهم وحسابهم، فلذلك فسِّر بيوم الجزاء ويوم الحساب.

وقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ٨٦ تَرْجِعُونَهَا﴾٥ [الواقعة: ٨٦، ٨٧]، أي: هلّا تردّون الروح إلى مكانها، إن كنتم غير مربوبين ولا مقهورين٦ ولا مجزييّن.

  1. (١) للأعشى في ديوانه (٦١). وفيه بعد "الدين": "دراكًا بغزوةٍ وصيال".
  2. (٢) ف: "فالدين".
  3. (٣) ف: "بخلاف الظاهر".
  4. (٤) ل: "فخيرًا وإن شرًّا فشرًّا". وقد سقط "فشرّ" من س.
  5. (٥) كمل الآية (٨٧) في ف.
  6. (٦) ف: "غير مدينين مقهورين".
477

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي