الداء والدواء

والطاعة. فلذلك يكون من الأعلى إلى الأسفل، كما يقال: دِنتُه فدانَ، أي قهرته فذلّ. قال الشاعر:

هو دانَ الرِّبابَ إذ كرهوا الـ .... ـدِّينَ فأضْحَوا بعزّة وصِيالِ١

ويكون من الأدنى للأعلى، كما يقال: دِنْتُ اللهَ، ودِنْتُ لِلَّهِ، وفلان لا يدين اللهَ دينًا، ولا يدين الله بدينٍ. فدان اللهَ أي: أطاع الله وأحبّه وخافه. ودان لله أي: خشع له وخضَع وذلّ وانقاد.

والدين٢ الباطن لا بد فيه من الحبّ والخضوع كالعبادة سواءً، بخلاف الدين الظاهر٣ فإنه لا يستلزم الحبّ، وإن كان فيه انقياد وذلّ في الظاهر.

وسمّى الله سبحانه يومَ القيامة "يومَ الدين" لأنّه اليوم الذي يدين فيه الناسَ بأعمالهم، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشرٌّ٤. وذلك يتضمّن جزاءهم وحسابهم، فلذلك فسِّر بيوم الجزاء ويوم الحساب.

وقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ٨٦ تَرْجِعُونَهَا﴾٥ [الواقعة: ٨٦، ٨٧]، أي: هلّا تردّون الروح إلى مكانها، إن كنتم غير مربوبين ولا مقهورين٦ ولا مجزييّن.

  1. (١) للأعشى في ديوانه (٦١). وفيه بعد "الدين": "دراكًا بغزوةٍ وصيال".
  2. (٢) ف: "فالدين".
  3. (٣) ف: "بخلاف الظاهر".
  4. (٤) ل: "فخيرًا وإن شرًّا فشرًّا". وقد سقط "فشرّ" من س.
  5. (٥) كمل الآية (٨٧) في ف.
  6. (٦) ف: "غير مدينين مقهورين".
477

وهذه الآية تحتاج إلى تفسير١. فإنّها سيقت للاحتجاج عليهم في إنكارهم البعث والحساب، ولا بدّ أن يكون الدليل مستلزمًا لمدلوله، بحيث ينتقل الذهن منه إلى المدلول، لما بينهما من التلازم، فكلّ ملزومٍ دليل على لازمه، ولا يجب العكس.

ووجه الاستدلال أنهم إذا أنكروا البعث والجزاء فقد كفروا بربّهم، وأنكروا٢ قدرته وربوبيته وحكمته. فإمّا أن يُقرّوا بأنّ لهم ربًّا قاهرًا لهم، متصرّفًا فيهم كما يشاء، يميتهم إذا شاء، ويحييهم إذا شاء، ويأمرهم وينهاهم، ويثيب محسنهم ويعاقب مسيئهم؛ وامّا أن لا يُقرّوا بربٍّ هذا شأنُه. فإنْ أقرّوا به آمنوا بالبعث والنشور والدين الأمري والجزائي. وإن أنكروه وكفروا به فقد زعموا أنّهم غير مربوبين ولا محكومٍ عليهم، ولا لهم ربٌّ يتصرّف فيهم كما أراد، فهلّا يقدرون على دفع الموت عنهم إذا جاءهم، وعلى ردّ الروح إلى مستقرّها إذا بلغت الحلقوم؟

وهذا خطاب للحاضرين٣ عند المحتضَر، وهم يعاينون موته. أي: فهلّا تردّون روحه إلى مكانها إن كان لكم قدرة وتصرّف، ولستم مربوبين ولا مقهورين لقاهر قادر يُمضي عليكم أحكامه، وينفّذ فيكم أوامره؟

وهذا غاية التعجيز لهم إذ تبيّن عجزُهم عن ردّ نفس واحدة من مكان

  1. (١) س: "وفي فهم هذه الآية"، وكلمة "الآية" ساقطة من ل. وفي ف: "تفسيرها". وانظر التبيان في أقسام القرآن (١٥٠).
  2. (٢) "البعث … وأنكروا" ساقط من ل.
  3. (٣) ف: "الحاضرين".
478

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي