الداء والدواء

وهذه الآية تحتاج إلى تفسير١. فإنّها سيقت للاحتجاج عليهم في إنكارهم البعث والحساب، ولا بدّ أن يكون الدليل مستلزمًا لمدلوله، بحيث ينتقل الذهن منه إلى المدلول، لما بينهما من التلازم، فكلّ ملزومٍ دليل على لازمه، ولا يجب العكس.

ووجه الاستدلال أنهم إذا أنكروا البعث والجزاء فقد كفروا بربّهم، وأنكروا٢ قدرته وربوبيته وحكمته. فإمّا أن يُقرّوا بأنّ لهم ربًّا قاهرًا لهم، متصرّفًا فيهم كما يشاء، يميتهم إذا شاء، ويحييهم إذا شاء، ويأمرهم وينهاهم، ويثيب محسنهم ويعاقب مسيئهم؛ وامّا أن لا يُقرّوا بربٍّ هذا شأنُه. فإنْ أقرّوا به آمنوا بالبعث والنشور والدين الأمري والجزائي. وإن أنكروه وكفروا به فقد زعموا أنّهم غير مربوبين ولا محكومٍ عليهم، ولا لهم ربٌّ يتصرّف فيهم كما أراد، فهلّا يقدرون على دفع الموت عنهم إذا جاءهم، وعلى ردّ الروح إلى مستقرّها إذا بلغت الحلقوم؟

وهذا خطاب للحاضرين٣ عند المحتضَر، وهم يعاينون موته. أي: فهلّا تردّون روحه إلى مكانها إن كان لكم قدرة وتصرّف، ولستم مربوبين ولا مقهورين لقاهر قادر يُمضي عليكم أحكامه، وينفّذ فيكم أوامره؟

وهذا غاية التعجيز لهم إذ تبيّن عجزُهم عن ردّ نفس واحدة من مكان

  1. (١) س: "وفي فهم هذه الآية"، وكلمة "الآية" ساقطة من ل. وفي ف: "تفسيرها". وانظر التبيان في أقسام القرآن (١٥٠).
  2. (٢) "البعث … وأنكروا" ساقط من ل.
  3. (٣) ف: "الحاضرين".
478

إلى مكان، ولو اجتمع على ذلك الثقلان!

فيا لها من آية دالّة على ربوبيته سبحانه، ووحدانيته، وتصرّفه في عباده، ونفوذ أحكامه فيهم وجرَيانها عليهم!

والدين دينان: دين شرعي أمري، ودين حسابي جزائي. وكلاهما لله وحده، فالدين كله لله أمرًا أو جزاءً. والمحبة أصل كل واحد من الدينين.

فإنّ ما شرعه سبحانه وأمر به يحبّه ويرضاه، وما نهى عنه فإنّه يكرهه ويبغضه لمنافاته لما يحبّه ويرضاه، فهو يحب ضدّه. فعاد دينه الأمري كلّه١ إلى محبته ورضاه. ودين العبد لله٢ به إنّما يُقبل إذا كان عن محبة ورضى٣، كما قال النبي ﷺ: "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًّا، وبالإِسلام دينًا، وبمحمّد رسولًا"٤. فهذا الدين قائم بالمحبّة، وبسببها شُرِع، ولأجلها شُرِعَ٥، وعليها أُسِّس.

وكذلك دينه الجزائي، فإنّه يتضمن مجازاةَ المحسن بإحسانه والمسيءِ بإساءته، وكلّ من الأمرين محبوب للربّ، فإنّهما عدله وفضله، وكلاهما من صفات كماله. وهو سبحانه يحبّ أسماءه وصفاته، ويحبّ مَن يحبّها.

  1. (١) "كله" ساقط من ف.
  2. (٢) "لله" لم يرد في ل.
  3. (٣) س: "محبته ورضاه".
  4. (٤) من حديث العبّاس بن عبد المطلب ﵁. أخرجه مسلم في كتاب الإيمان (٣٤).
  5. (٥) "ولأجلها شرع" ساقط من س.
479

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي