الداء والدواء

إلى مكان، ولو اجتمع على ذلك الثقلان!

فيا لها من آية دالّة على ربوبيته سبحانه، ووحدانيته، وتصرّفه في عباده، ونفوذ أحكامه فيهم وجرَيانها عليهم!

والدين دينان: دين شرعي أمري، ودين حسابي جزائي. وكلاهما لله وحده، فالدين كله لله أمرًا أو جزاءً. والمحبة أصل كل واحد من الدينين.

فإنّ ما شرعه سبحانه وأمر به يحبّه ويرضاه، وما نهى عنه فإنّه يكرهه ويبغضه لمنافاته لما يحبّه ويرضاه، فهو يحب ضدّه. فعاد دينه الأمري كلّه١ إلى محبته ورضاه. ودين العبد لله٢ به إنّما يُقبل إذا كان عن محبة ورضى٣، كما قال النبي ﷺ: "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًّا، وبالإِسلام دينًا، وبمحمّد رسولًا"٤. فهذا الدين قائم بالمحبّة، وبسببها شُرِع، ولأجلها شُرِعَ٥، وعليها أُسِّس.

وكذلك دينه الجزائي، فإنّه يتضمن مجازاةَ المحسن بإحسانه والمسيءِ بإساءته، وكلّ من الأمرين محبوب للربّ، فإنّهما عدله وفضله، وكلاهما من صفات كماله. وهو سبحانه يحبّ أسماءه وصفاته، ويحبّ مَن يحبّها.

  1. (١) "كله" ساقط من ف.
  2. (٢) "لله" لم يرد في ل.
  3. (٣) س: "محبته ورضاه".
  4. (٤) من حديث العبّاس بن عبد المطلب ﵁. أخرجه مسلم في كتاب الإيمان (٣٤).
  5. (٥) "ولأجلها شرع" ساقط من س.
479

وكلّ واحد من الدينين فهو صراطه المستقيم الذي هو عليه سبحانه، فهو على صراط مستقيم في أمره ونهيه وثوابه وعقابه، كما قال تعالى إخبارًا عن نبيّه هود أنّه قال لقومه: ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ٥٤ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ ٥٥ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ٥٦﴾ [هود: ٥٤ - ٥٦].

ولمّا علم نبيّ الله أنّ ربّه على صراط مستقيم في خلقه وأمره، وثوابه وعقابه، وقضائه وقدره، ومنعه وعطائه، وعافيته وبلائه، وتوفيقه وخذلانه، لا يخرج١ في ذلك عن موجب كماله المقدّس الذي تقتضيه أسماؤه وصفاته من العدل، والحكمة، والرحمة والإحسان والفضل، ووضع الثواب في موضعه، والعقوبة في موضعها اللائق بها، ووضع التوفيق والخذلان والعطاء والمنع والهداية والإضلال كلِّ ذلك في أماكنه ومحالّه اللائقة به، بحيث يستحق على ذلك كمالَ الحمد والثناء = أوجب له ذلك العلمُ والعرفانُ أنْ٢ نادى على رؤوس الملأ من قومه بجَنان ثابت وقلب غير خائف بل متجرّد لله: ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ مِن دُونِهِۦ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾٣.

ثم٤ أخبر عن عموم قدرته وقهره لكلّ ما سواه، وذلّ كلّ شيء لعظمته، فقال: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ فكيف أخاف ما ناصيتُه

  1. (١) ز: "لا مخرج"، تصحيف.
  2. (٢) ف: "إذ".
  3. (٣) "ولمّا علم نبيّ الله … " إلى هنا ساقط من ل.
  4. (٤) "ثم" ساقطة من س.
480

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي