وجلاء حزني، وذهاب همّي وغمّي = إلا أذهب الله همّه وغمّه، وأبدله مكانه فرحًا١ "٢.
وهذا يتناول حكم الربّ الكوني والأمري وقضاءَه الذي يكون باختيار العبد وغير اختياره، فكلا الحكمين٣ ماضٍ في عبده، وكلا القضائين عدلٌ فيه. فهذا الحديث مشتقّ من هذه الآية، بينهما أقرب نسب٤.
فصل
ونختم٥ الجواب بفصل يتعلّق بعشق الصور، وما فيه من المفاسد العاجلة والآجلة، وإن كانت أضعاف ما يذكره ذاكر، فإنّه يفسد القلب بالذات. وإذا فسد فسدت الإرادات والأقوال والأعمال، وفسد نفس التوحيد٦ كما تقدّم، وكما سنقرّره أيضًا إن شاء الله.
والله سبحانه إنّما حكى هذا المرض عن طائفتين من الناس، وهما اللوطية والنساء. فأخبر عن عشق امرأة العزيز ليوسف وما راودَتْه وكادَتْه به، وأخبر عن الحال التي صار إليها يوسف بصبره وعفّته وتقواه، مع أنّ الذي ابتلي به أمرٌ لا يصبر عليه إلا من صبّره الله عليه. فإنّ موافقة الفعل بحسب قوة الداعي وزوال المانع، وكان الداعي ها هنا في غاية القوة،
(١) س: "فرجا".
(٢) تقدم تخريجه في ص (٢٣/ ٢٢).
(٣) س، ل: "وكلا الحكمين".
(٤) وانظر: زاد المعاد (٤/ ٢٥٦)، والفوائد (٢١).
(٥) س: "ويختم".
(٦) ف: "ثغر التوحيد".
وذلك من وجوه١:
أحدها: ما ركّبه الله سبحانه في طبع الرجل من ميله إلى المرأة كما يميل العطشان إلى الماء٢ والجائع إلى الطعام، حتى إنّ كثيرًا من الناس يصبر عن الطعام والشراب ولا يصبر عن النساء. وهذا لا يُذَمّ إذا صادف حِلًّا بل يحمد، كما في كتاب الزهد للإمام أحمد٣ من حديث
(١) ف: "لوجوه". وكذا في ل، ولكن تحتها: "من". وقد ذكر المصنف جملة من الوجوه المذكورة هنا في مدارج السالكين (٢/ ١٥٦)، وطريق الهجرتين (٤٩٦)، وروضة المحبين (٤٤٩). وصرّح في المدارج أنها مما سمعه من شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀. وانظر مجموع الفتاوى (١٥/ ١٣٨).
(٢) ف: "الماء البارد".
(٣) ليس في المطبوع. وقد أحال عليه المناوي في الفتح السماوي (١/ ٣٧٧) فقال: "وقد رواه عبد الله بن أحمد في زيادات الزهد عن أبيه من طريق يوسف بن عطية عن ثابت موصولًا أيضًا". وقبله الزيلعي في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الكشاف (١/ ١٩٦) من طريق أبي معمر. وأخرجه ابن حبان في المجروحين (٣/ ١٣٥) من طريق قتيبة بن سعيد كلاهما عن يوسف بن عطية عن ثابت عن أنس، قال قال رسول الله ﷺ: "إن الله جل وعلا جعل قرة عيني في الصلاة. وحبّب إليّ الطيب كما حبّب إلى الجائع الطعام، وإلى الظمآن الماء. والجائع يشبع والظمآن يروى، وأنا لا أشبع من الصلاة. وكان إذا دخل البيت يكون في الصلاة أو في مهنة أهله" لفظ ابن حبان. والحديث لا يصح، وعلته يوسف بن عطية هذا، فإنه متروك الحديث. تنبيه على جملة (أصبر عن الطعام والشراب ولا أصبر عنهن): تعقب السيوطيُّ الزركشي في إيراده هذه الجملة، بأنه مرّ على الزهد لأحمد مرارًا فلم يجدها. والذي فيه: " … قرة عيني في الصلاة، وحبب إليّ النساء والطيب، والجائع يشبع، والظمان يروى، وأنا لا أشبع من النساء". فلعله أراد هذا الطريق. انظر فيض القدير (٣/ ٣٧).