الداء والدواء

واستفرغ وسعه في مرضاة معشوقه وطاعته والتقرّب إليه، وجعل لربه -إن أطاعه- الفضلة التي تفضُل عن معشوقه من ساعاته١.

فتأمَّلْ حالَ أكثر عشّاق الصور٢، هل٣ تجدها مطابقةً لذلك؟ ثم ضَعْ حالَهم في كِفة، وتوحيدَهم وإيمانَهم في كِفّة، وزِنْ وزنًا يُرضي الله ورسوله، ويطابق العدل.

وربما صرّح العاشق منهم بأنّ وصلَ معشوقه أحبُّ إليه من توحيد ربه، كما قال العاشق الخبيث٤:

يترشّفْن من فمي رَشَفاتٍهنّ أحلى فيه من التوحيد٥

وكما صرّح الخبيث٦ الآخر بأنّ وصلَ معشوقه أشهى إليه من رحمة ربّه، -فعياذًا بك اللهم من هذا الخِذلان٧ - فقال:

وصلُك أشهى إلى فؤاديمن رحمة الخالقِ الجليلِ٨

ولا ريب أنّ هذا العشق من أعظم الشرك.

  1. (١) ف: "ساعته".
  2. (٢) س: "العشاق للصور".
  3. (٣) لم ترد "هل" في ف، ل.
  4. (٤) ل: "الحبيب"، تصحيف.
  5. (٥) من قصيدة للمتنبي قالها في صباه. ديوانه (٣٥).
  6. (٦) ل: "الحبيب"، تصحيف.
  7. (٧) س: "فعياذًا بالله من هذه الحال ومن هذا الخذلان". وأشير في الحاشية إلى ما أثبتناه من غيرها.
  8. (٨) سبق البيت مع قصته (٣٩٠).
489

وكثير من العشاق يصرّح بأنه لم يبق في قلبه موضع لغير معشوقه البتة، بل قد ملك معشوقُه عليه قلبَه كلَّه١، فصار عبدًا محضًا من كلّ وجه لمعشوقه! فقد رضي هذا من عبودية الخالق ﷻ بعبودية٢ مخلوق مثله، فإنّ العبودية هي كمال الحبّ والخضوع، وهذا قد استفرغ قوة حبه وخضوعه وذلّه لمعشوقه، فقد أعطاه حقيقة العبودية.

ولا نسبة بين مفسدة هذا الأمر العظيم ومفسدة الفاحشة، فإنّ تلك ذنب كبير، لفاعله حكم أمثاله؛ ومفسدة هذا العشق مفسدة الشرك.

وكان بعض الشيوخ من العارفين٣ يقول: لأن أُبتلىَ بالفاحشة مع تلك الصورة أحب إلى من أن أبتلى فيها بعشق يتعبّد لها قلبي ويشغله عن الله.

فصل

ودواء هذا الداء القتال: أن يعرف ما٤ ابتُلي به من الداء المضادّ

  1. (١) لم ترد "عليه في س. ولم ترد "كله" في ف، ل.
  2. (٢) زاد في ف بعدها: "غيره".
  3. (٣) ز: "الشيوخ العارفين".
  4. (٤) في طبعة عبد الظاهر: "أن ما"، وزيادة "أن" هذه خطأ جعل الكلام ناقصًا، وأدّى إلى زيادة أخرى في بعض الطبعات، وسياقها في طبعة المدني: " [أن] ما ابتلي به من [هذا] الداء المضاد للتوحيد [إنما هو من جهله وغفلة قلبه عن الله، فعليه أن يعرف توحيد ربه وسننه وآياته] أولًا". وقد وضع الناشر "إنما هو … أولًا] بين قوسين، وقال في تعليقه: "هذه الزيادة ساقطة من المخطوطة ونرى أنه لابدّ منها". وهي مع التعليق نفسه في طبعة السلفية (٢٣١) ثم جاءت طبعات معاصرة أثبتت الزيادة وحذفت القوسين!
490

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي