وكثير من العشاق يصرّح بأنه لم يبق في قلبه موضع لغير معشوقه البتة، بل قد ملك معشوقُه عليه قلبَه كلَّه١، فصار عبدًا محضًا من كلّ وجه لمعشوقه! فقد رضي هذا من عبودية الخالق ﷻ بعبودية٢ مخلوق مثله، فإنّ العبودية هي كمال الحبّ والخضوع، وهذا قد استفرغ قوة حبه وخضوعه وذلّه لمعشوقه، فقد أعطاه حقيقة العبودية.
ولا نسبة بين مفسدة هذا الأمر العظيم ومفسدة الفاحشة، فإنّ تلك ذنب كبير، لفاعله حكم أمثاله؛ ومفسدة هذا العشق مفسدة الشرك.
وكان بعض الشيوخ من العارفين٣ يقول: لأن أُبتلىَ بالفاحشة مع تلك الصورة أحب إلى من أن أبتلى فيها بعشق يتعبّد لها قلبي ويشغله عن الله.
فصل
ودواء هذا الداء القتال: أن يعرف ما٤ ابتُلي به من الداء المضادّ
(١) لم ترد "عليه في س. ولم ترد "كله" في ف، ل.
(٢) زاد في ف بعدها: "غيره".
(٣) ز: "الشيوخ العارفين".
(٤) في طبعة عبد الظاهر: "أن ما"، وزيادة "أن" هذه خطأ جعل الكلام ناقصًا، وأدّى إلى زيادة أخرى في بعض الطبعات، وسياقها في طبعة المدني: " [أن] ما ابتلي به من [هذا] الداء المضاد للتوحيد [إنما هو من جهله وغفلة قلبه عن الله، فعليه أن يعرف توحيد ربه وسننه وآياته] أولًا". وقد وضع الناشر "إنما هو … أولًا] بين قوسين، وقال في تعليقه: "هذه الزيادة ساقطة من المخطوطة ونرى أنه لابدّ منها". وهي مع التعليق نفسه في طبعة السلفية (٢٣١) ثم جاءت طبعات معاصرة أثبتت الزيادة وحذفت القوسين!
للتوحيد أولًا، ثم يأتي من العبادات الظاهرة والباطنة بما يشغل قلبه عن دوام الفكرة فيه، ويكثر اللجأ والتضرّع إلى الله سبحانه في صرف ذلك عنه وأن يراجع بقلبه إليه.
وليس له دواء أنفع من الإخلاص لله. وهو الدواء الذي ذكره الله في كتابه حيث قال: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ٢٤﴾١[يوسف: ٢٤]. فأخبر سبحانه أنّه صرف عنه السوء من العشق والفحشاء من الفعل بإخلاصه٢. فإنّ القلب إذا خلَص٣ وأخلص عملَه لله لم يتمكّن منه عشق الصور، فإنّه إنّما يتمكن من قلب فارغ، كما قال٤:
فصادف قلبًا خاليًا فتمكّنا٥
وليعلم العاقل أنّ العقل والشرع يوجبان٦ تحصيل المصالح
(١) "المخلصين" بكسر اللام قراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر. انظر: الإقناع (٦٧١). واستدلال المؤلف بالآية مبنيّ على هذه القراءة.
(٢) ونحوه في زاد المعاد (٤/ ٢٦٨)، وإغاثة اللهفان (١٣٣، ٨٥٤، ٨٦٨)، ومفتاح دار السعادة (١/ ٢٧٧).
(٣) ل: "خلص لله".
(٤) ل: "كما قيل".
(٥) ف، ز: "قلبًا فارغًا". وصدره كما في حاشية س، ف: أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى وقد سبق في ص (٣٦١).