الداء والدواء

للتوحيد أولًا، ثم يأتي من العبادات الظاهرة والباطنة بما يشغل قلبه عن دوام الفكرة فيه، ويكثر اللجأ والتضرّع إلى الله سبحانه في صرف ذلك عنه وأن يراجع بقلبه إليه.

وليس له دواء أنفع من الإخلاص لله. وهو الدواء الذي ذكره الله في كتابه حيث قال: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ٢٤﴾١ [يوسف: ٢٤]. فأخبر سبحانه أنّه صرف عنه السوء من العشق والفحشاء من الفعل بإخلاصه٢. فإنّ القلب إذا خلَص٣ وأخلص عملَه لله لم يتمكّن منه عشق الصور، فإنّه إنّما يتمكن من قلب فارغ، كما قال٤:

فصادف قلبًا خاليًا فتمكّنا٥

وليعلم العاقل أنّ العقل والشرع يوجبان٦ تحصيل المصالح

  1. (١) "المخلصين" بكسر اللام قراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر. انظر: الإقناع (٦٧١). واستدلال المؤلف بالآية مبنيّ على هذه القراءة.
  2. (٢) ونحوه في زاد المعاد (٤/ ٢٦٨)، وإغاثة اللهفان (١٣٣، ٨٥٤، ٨٦٨)، ومفتاح دار السعادة (١/ ٢٧٧).
  3. (٣) ل: "خلص لله".
  4. (٤) ل: "كما قيل".
  5. (٥) ف، ز: "قلبًا فارغًا". وصدره كما في حاشية س، ف:
    أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى
    وقد سبق في ص (٣٦١).
  6. (٦) ز: "قد يوجبان".
491

وتكميلها وإعدام المفاسد وتقليلها. فإذا١ عرض للعاقل أمر يرى فيه مصلحةً ومفسدة٢ وجب عليه أمران: أمر علميّ، وأمر عمليّ. فالعلميّ طلبُ معرفة الراجح من طرفَي المصلحة والمفسدة، فإذا تبيّن له الرجحان وجب عليه إيثار٣ الأصلح له.

ومن المعلوم أنه ليس في عشق الصور مصلحة دينية ولا دنيوية، بل مفسدته الدينية والدنيوية أضعاف أضعاف ما يقدَّر فيه من المصلحة، وذلك من وجوه:

أحدها: الاشتغال بحبّ المخلوق وذكره عن حبّ الربّ تعالى وذكره. فلا يجتمع في القلب هذا وهذا إلا ويقهر أحدهما صاحبه، ويكون السلطان والغلبة له.

الثاني: عذاب قلبه بمعشوقه. فإنّ من أحبّ شيئًا غير الله عُذِّب به، ولابدّ:

فما في الأرض أشقى من محبٍّوإن وَجَد الهوى حلوَ المذاقِ
تراه باكيًا في كل حينمخافةَ فُرْقةٍ أو لاشتياقِ٤
فيبكي إن نأوا شوقًا إليهمويبكي إن دنَوا حذرَ الفراقِ
فتسخَن عينُه عند الفراقوتسخَن عينُه عند التلاقي٥
  1. (١) س: "وإذا".
  2. (٢) "مصلحة و" ساقط من ز.
  3. (٣) س، ل: "إتيان".
  4. (٤) هذا البيت ساقط من ف.
  5. (٥) الأبيات لنصيب في ديوانه المجموع (١١١). وهي في الحماسة (٢/ ٩٣) دون =
492

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي