الداء والدواء
أخو غمَراتٍ ضاع فيهن قلبُهفليس له حتى الممات حضورُ

الرابع: أنّه١ يشتغل به عن مصالح دينه ودنياه. فليس شيءٌ أضيعَ٢ لمصالح الدين والدنيا من عشق الصور.

أمّا مصالح الدين فإنّها منوطة بلَمّ شَعَثِ القلب وإقبالهِ على الله، وعشقُ الصور أعظم شيءٍ تشعيثًا وتشتيتًا له٣.

وأمّا مصالح الدنيا فهي تابعة في الحقيقة لمصالح الدين، فمن انفرطت عليه مصالح دينه وضاعت عليه، فمصالح دنياه أضيَعُ وأضيَعُ.

الخامس: أنّ٤ آفات الدنيا والآخرة أسرع إلى عشّاق الصور من النار في يابس الحطب.

وسبب ذلك أنّ القلب كلّما قَرُبَ من العشق وقويَ اتصالُه به٥ بَعُدَ من الله، فأبعد القلوب من الله قلوب عشّاق الصور. وإذا بعد القلب من الله طرقته الآفات من كل ناحية، فإنّ الشيطان يتولّاه. ومن تولّاه عدوُّه٦ واستولى عليه لم يألُه وبالًا، ولم يدَعْ أذىً يمكنه إيصاله إليه إلا أوصله.

فما الظنّ بقلب تمكّن منه عدوُّه وأحرَصُ الخلقِ على غيّه٧ وفسادِه، وبعُد منه وليُّه ومن لا سعادة له ولا فلاح ولا سرور إلا بقربه وولايته؟

  1. (١) ما عدا ف: "أن".
  2. (٢) يعني: أشدّ إضاعةَ. صاغ اسم التفضيل على أفعل من المزيد.
  3. (٣) "له" ساقط من ف.
  4. (٤) "أن" لم ترد في ف.
  5. (٥) "به" ساقط من س.
  6. (٦) "عدوّه" لم يرد في س. وسقط "واستولى عليه" من ل.
  7. (٧) ما عدا ف: "عيبه".
494

السادس: أنه إذا تمكن من القلب واستحكم وقوي سلطانه أفسد الذهنَ، وأحدث الوسواسَ. وربما التحق صاحبه بالمجانين الذين فسدت عقولهم فلا ينتفعون بها. وأخبار العشاق١ في ذلك موجودة في مواضعها، بل بعضها مشاهَد بالعيان.

وأشرف ما في الإنسان عقله، وبه يتميّز عن سائر الحيوانات؛ فإذا عدم عقله التحق بالحيوان البهيم، بل ربما كان حال الحيوان أصلح من حاله. وهل أذهب عقلَ مجنون ليلى وأضرابِه إلا العشق؟

وربما زاد جنونه على جنون غيره، كما قيل:

قالوا جُنِنتَ بمن تهوى فقلتُ لهمالعشق أعظم مما بالمجانين
العشق لا يستفيق الدهرَ صاحبُهوإنّما يُصرَع المجنونُ في الحين٢

السابع: أنّه ربما أفسد الحواسّ أو بعضها٣ إمّا فسادًا معنويًا أو صُوريًّا٤.

أمّا الفساد المعنوي فهو تابع لفساد القلب، فإنّ القلب إذا فسد فسدت العين والأذن واللسان، فيرى القبيح حسنًا منه ومن معشوقه، كما في المسند٥ مرفوعًا: "حبّك للشيء يُعمي ويُصِمّ". فهو يُعمي

  1. (١) ف: "العاشق".
  2. (٢) تقدم البيتان في ص (٤١٨).
  3. (٣) ز: "نقصها"، تصحيف.
  4. (٤) س: "ضروريًا"، تحريف.
  5. (٥) ٥/ ١٩٤ (٢١٦٩٤)، ٦/ ٤٥٥ (٢٧٥٤٨). وأخرجه أبو داود (٥١٣٠) والبخاري في تاريخه (٢/ ١٠٧) والبزار في مسنده (٤١٢٥) والطبراني في مسند الشاميين (١٤٥٤) والقضاعي في مسند الشهاب (٢١٩) وغيرهم من طريق أبي بكر بن =
495

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي