السادس: أنه إذا تمكن من القلب واستحكم وقوي سلطانه أفسد الذهنَ، وأحدث الوسواسَ. وربما التحق صاحبه بالمجانين الذين فسدت عقولهم فلا ينتفعون بها. وأخبار العشاق١ في ذلك موجودة في مواضعها، بل بعضها مشاهَد بالعيان.
وأشرف ما في الإنسان عقله، وبه يتميّز عن سائر الحيوانات؛ فإذا عدم عقله التحق بالحيوان البهيم، بل ربما كان حال الحيوان أصلح من حاله. وهل أذهب عقلَ مجنون ليلى وأضرابِه إلا العشق؟
وربما زاد جنونه على جنون غيره، كما قيل:
قالوا جُنِنتَ بمن تهوى فقلتُ لهمالعشق أعظم مما بالمجانين
العشق لا يستفيق الدهرَ صاحبُهوإنّما يُصرَع المجنونُ في الحين٢
السابع: أنّه ربما أفسد الحواسّ أو بعضها٣ إمّا فسادًا معنويًا أو صُوريًّا٤.
أمّا الفساد المعنوي فهو تابع لفساد القلب، فإنّ القلب إذا فسد فسدت العين والأذن واللسان، فيرى القبيح حسنًا منه ومن معشوقه، كما في المسند٥ مرفوعًا: "حبّك للشيء يُعمي ويُصِمّ". فهو يُعمي
(١) ف: "العاشق".
(٢) تقدم البيتان في ص (٤١٨).
(٣) ز: "نقصها"، تصحيف.
(٤) س: "ضروريًا"، تحريف.
(٥) ٥/ ١٩٤ (٢١٦٩٤)، ٦/ ٤٥٥ (٢٧٥٤٨). وأخرجه أبو داود (٥١٣٠) والبخاري في تاريخه (٢/ ١٠٧) والبزار في مسنده (٤١٢٥) والطبراني في مسند الشاميين (١٤٥٤) والقضاعي في مسند الشهاب (٢١٩) وغيرهم من طريق أبي بكر بن =
عينَ القلب عن رؤية مساوي المحبوب وعيوبه، فلا ترى العين ذلك، ويُصِمّ أذنَه عن الإصغاء إلى العذل فيه، فلا تسمع الأذن ذلك.
والرغبات تستر العيوب، فالراغب في الشيء لا يرى عيوبه حتى إذا زالت رغبته فيه أبصر عيوبه. فشدّةُ الرغبة غشاوة على العين تمنع من رؤية الشيء على١ ما هو به، كما قيل:
هوِيتُكَ إذ عيني عليها غشاوةٌفلما انجلتْ قطّعتُ نفسي ألومُها٢
والداخل في الشيء لا يرى عيوبه، والخارج منه الذي لم يدخل فيه لا يرى عيوبه. ولا يرى عيوبه٣ إلا من دخل فيه ثم خرج منه. ولهذا كان الصحابة الذين دخلوا في الإِسلام بعد الكفر خيرًا من الذين ولدوا في الإِسلام. قال عمر بن الخطاب: إنّما تُنقَض عُرى الإِسلام عروةً عروةً إذا وُلِد في الإِسلام من لم يعرف الجاهلية٤.
= عبد الله بن أبي مريم الغساني عن خالد بن محمَّد الثقفي عن بلال بن أبي الدرداء عن أبي الدرداء فذكره مرفوعًا، وأحيانًا موقوفًا. ورواه حميد بن مسلم وحريز بن عثمان كلاهما عن بلال بن أبي الدرداء عن أبي الدرداء قوله موقوفًا. أخرجه البخاري (٢/ ١٠٧) وابن عساكر في تاريخه (١٠/ ٥٢٣) وغيرهما. وسند الموقوف صحيح. ورجح الوقف السخاوي والسيوطي.
(١) س: "إلّا"، تحريف.
(٢) للحارث بن خالد المخزومي في مجموع شعره (١٠١). والرواية: "صحبتك" يعني عبدَ الملك. وكذا أورده المؤلف في مفتاح دار السعادة (١/ ٤٦٧).
(٣) "والخارج منه … عيوبه لما ساقط من ز.
(٤) ذكره المصنف في مدارج السالكين (١/ ٣٤٣)، ومفتاح دار السعادة (٢/ ٢٨٨). وفي النسخ: "ينقض" (ص). لم أقف عليه (ز).