عينَ القلب عن رؤية مساوي المحبوب وعيوبه، فلا ترى العين ذلك، ويُصِمّ أذنَه عن الإصغاء إلى العذل فيه، فلا تسمع الأذن ذلك.
والرغبات تستر العيوب، فالراغب في الشيء لا يرى عيوبه حتى إذا زالت رغبته فيه أبصر عيوبه. فشدّةُ الرغبة غشاوة على العين تمنع من رؤية الشيء على١ ما هو به، كما قيل:
هوِيتُكَ إذ عيني عليها غشاوةٌفلما انجلتْ قطّعتُ نفسي ألومُها٢
والداخل في الشيء لا يرى عيوبه، والخارج منه الذي لم يدخل فيه لا يرى عيوبه. ولا يرى عيوبه٣ إلا من دخل فيه ثم خرج منه. ولهذا كان الصحابة الذين دخلوا في الإِسلام بعد الكفر خيرًا من الذين ولدوا في الإِسلام. قال عمر بن الخطاب: إنّما تُنقَض عُرى الإِسلام عروةً عروةً إذا وُلِد في الإِسلام من لم يعرف الجاهلية٤.
= عبد الله بن أبي مريم الغساني عن خالد بن محمَّد الثقفي عن بلال بن أبي الدرداء عن أبي الدرداء فذكره مرفوعًا، وأحيانًا موقوفًا. ورواه حميد بن مسلم وحريز بن عثمان كلاهما عن بلال بن أبي الدرداء عن أبي الدرداء قوله موقوفًا. أخرجه البخاري (٢/ ١٠٧) وابن عساكر في تاريخه (١٠/ ٥٢٣) وغيرهما. وسند الموقوف صحيح. ورجح الوقف السخاوي والسيوطي.
(١) س: "إلّا"، تحريف.
(٢) للحارث بن خالد المخزومي في مجموع شعره (١٠١). والرواية: "صحبتك" يعني عبدَ الملك. وكذا أورده المؤلف في مفتاح دار السعادة (١/ ٤٦٧).
(٣) "والخارج منه … عيوبه لما ساقط من ز.
(٤) ذكره المصنف في مدارج السالكين (١/ ٣٤٣)، ومفتاح دار السعادة (٢/ ٢٨٨). وفي النسخ: "ينقض" (ص). لم أقف عليه (ز).
وأما إفساده للحواسّ ظاهرًا١، فإنّه يُمرِض البدن ويُنهِكه، وربما أدّى إلى تلفه، كما هو معروف في أخبار من قتلهم العشق.
وقد رُفع إلى ابن عباس -وهو بعرفة- شابٌّ قد انتحل٢ حتى عاد عظما بلا لحم٣ فقال: ما شأن هذا؟ قالوا: به العشق. فجعل ابن عباس يستعيذ بالله٤ من العشق عامّةَ يومه٥.
الثامن: أنّ العشق -كما تقدّم- هو الإفراط في المحبة بحيث يستولي المعشوق على قلب العاشق حتى لا يخلو٦ من تخيّله وذكره والفكر فيه، بحيث لا يغيب عن خاطره وذهنه. فعند ذلك تشتغل النفس عن استخدام القوى الحيوانية والنفسانية، فتتعطل تلك القوى، فيحدث بتعطّلها٧
(١) س: "فظاهر"، خطأ.
(٢) لم يرد "انتحل" في كتب اللغة بمعنى نحَل الجسم نحولًا: رَقّ وهزل. والظاهر أنه استعمال عامّي.
(٣) كذا في ف. وفي غيرها: "لحمًا على عظم". وفي حاشية س: "جلدَا" وفوقه علامة "ص". وفي ز: "صار" مكان "عاد".
(٤) "بالله" لم يرد في س.
(٥) أخرجه الخرائطي في اعتلال القلوب (٣٢٢) وابن الجوزي في ذم الهوى (٣٧٣) وابن عساكر في تاريخه (١/ ٢٣٧ - ٢٢)، (١٧٩٩/ ٢) من طريق محمَّد بن عيسى بن بكار عن فليح بن إسماعيل بن جعفر عن عبد الله بن صالح عن عمه سليمان بن علي عن عكرمة قال: "إنّا لمع ابن عباس عشية عرفة … " نحوه. وسنده ضعيف، محمَّد بن عيسى بن بكار لم أقف عليه. وفليح ذكره ابن حبان في الثقات (٩/ ١١) وقال: يعتبر حديثه من غير رواية شاذان عنه. (ز). وانظر مصارع العشاق (٢/ ٢١٧). (ص).
(٦) س: "حتى يخلو"، خطأ.
(٧) س، ل: "بتعطيلها". وقد سقط من ل: "تلك القوى فيحدث".