الداء والدواء

من الآفات على البدن والروح ما يعِزّ دواؤه أو يتعذّر١، فتتغيّر أفعاله وصفاته ومقاصده، ويختل جميع ذلك، فيعجز البشر عن صلاحه، كما قيل٢:

الحبُّ أوّلَ ما يكون لجاجةٌتأتي به وتسوقه الأقدارُ٣
حتى إذا خاض الفتى لُججَ الهوىجاءت أمور لا تُطاق كِبارُ

والعشق مبادئه سهلة حلوة، وأوسطه همّ وشغلُ قلبٍ وسقم، وآخره عطَب وقتل، إن لم يتداركه٤ عناية من الله، كما قيل:

وعِشْ خاليًا فالحبُّ أولُه عَناوأوسطه سقم، وآخره قتلُ٥

وقال آخر:

تولَّعَ بالعشق حتّى عشِقْفلمّا استقلّ به لم يُطِقْ
رأى لُجّةَ ظنّها موجةًفلما تمكّن منها غرِقْ٦
  1. (١) ف، ل: "ويتعذّر". وفي س: "لو يتعذّر"، وصوابه ما أثبتنا من ز.
  2. (٢) للعباس بن الأحنف كما في الأغاني (٥/ ١٩٣)، وانظر: ديوانه (١٣٩). وقد نسبا إلى المجنون (ديوانه ٩٦) وجميل (ديوانه ٨٤) أيضًا.
  3. (٣) س، ف، ز: "لحاجة"، وقد ضبط في ف، ز بالجرّ، وكتبت في ف علامة الإهمال. والمثبت من ل، وهي الرواية المشهورة.
  4. (٤) ف: "تتداركه". س: "يدركه".
  5. (٥) لابن الفارض في ديوانه (١٣٤) وروايته: "فالحب راحته عنا، وأوله سقم".
  6. (٦) ذكرهما المؤلف في روضة المحبين (٢٥٢) وشفاء العليل (١٣٨، ١٥٣) أيضًا.
    وهما من أربعة أبيات نقلها ابن الجوزي بسنده في ذمّ الهوى (٥٨٦) من إنشاد ابن نحرير البغدادي.
498

والذنب له، فهو الجاني على نفسه، وقد قعد تحت المثل السائر: "يداكَ أَوْكَتا، وفُوكَ نفخ"١.

فصل

والعاشق له ثلاث مقامات: مقام ابتداء، ومقام توسط، ومقام انتهاء.

فأما مقام ابتدائه، فالواجب عليه فيه٢ مدافعته بكلّ ما يقدر عليه، إذا كان الوصول إلى معشوقه متعذِّرًا قدرًا أو شرعًا.

فإن عجز عن ذلك، وأبى قلبه إلا السفر إلى محبوبه -وهذا مقام التوسط والانتهاء- فعليه كتمان ذلك، وأن لا يُفشيه٣ إلى الخلق، ولا يشبّبَ بمحبوبه ويهتكه بين الناس، فيجمع بين الشرك والظلم. فإنّ الظلم في هذا الباب من أعظم أنواع الظلم، وربما كان أعظم ضررًا على المعشوق وأهله من ظلمه في ماله. فإنّه يعرّض المعشوق بتهتّكه في عشقه إلى وقوع الناس فيه٤، وانقسامهم إلى مصدِّق ومكذِّب، وأكثر الناس يصدّق في هذا الباب بأدنى شبهة. وإذا قيل: فلان فعل بفلان أو

فلانة كذّبه واحد، وصدّقه تسعمائة وتسعة وتسعون! وخبر العاشق المتهتّك عند الناس في هذا الباب يفيد القطع اليقيني،

  1. (١) انظر مجمع الأمثال للميداني (٣/ ٥١٩).
  2. (٢) لم يرد "فيه" في س.
  3. (٣) ف: "ولا يفشيه".
  4. (٤) "فيه" ساقط من ف.
499

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي