التي حرّمها الله ليأخذ ماله، يتوصل١ به إلى معشوقه.
فكلّ٢ هذه الآفات وأضعافها وأضعاف أضعافها تنشأ من عشق الصور. وربما حمل على الكفر الصريح. وقد تنصّر جماعة ممن نشأ في الإِسلام بسبب العشق، كما جرى لبعض المؤذنين حين أبصر امرأة جميلة على سطح، ففُتِن بها، فنزل ودخل عليها، وسألها نفسَها، فقالت: هي نصرانية، فإن دخلتَ في ديني تزوّجتُ بك، ففعل. فرقي ذلك اليوم٣ على درجة عندهم، فسقط منها٤، فمات. ذكر هذا عبد الحقّ في كتاب "العاقبة" له٥.
وإذا أراد النصارى أن ينصّروا الأسير أرَوه امرأة جميلة، وأمروها أن تُطْمِعه في نفسها، حتّى إذا تمكن حبّها من قلبه بذلت له نفسها إن دخل في دينها. فهنالك: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ٢٧﴾[إبراهيم: ٢٧].
وفي العشق من ظلمِ كل واحد من العاشق والمعشوق٦ لصاحبه بمعاونته له على الفاحشة، وظلمِه لنفسه٧. فكلّ منهما ظالم لنفسه
(١) ف: "ليتوصل".
(٢) ل: "وكل".
(٣) س: "في ذلك اليوم". وفي ف: "الرجل" مكان "اليوم".
(٤) لم يرد "منها" في س.
(٥) ص (١٧٩). وقد تقدمت القصة مفصّلة (٣٩٤).
(٦) ف: "المعشوق والعاشق".
(٧) زاد الشيخ محمَّد محيي الدين عبد الحميد ﵀ بعده بين القوسين: "ما فيه"؛ لأنه ظنّ الجملة ناقصةً. ثم جاءت النشرات التابعة لنشرته، وحذفت القوسين!
وصاحبه، وظلمهما متعدٍّ إلى الغير كما تقدّم. وأعظم من ذلك ظلمهما بالشرك. فقد تضمّن العشق أنواع الظلم كلَّها.
والمعشوق إذا لم يتّق الله، فإنه يعرّض العاشق للتلف -وذلك ظلم منه- بأن يُطمعه في نفسه، ويتزيّن له، ويستميله بكلّ طريق، حتى يستخرج منه ماله ونفعه، ولا يمكنه من نفسه لئلا يزول غرضه بقضاء
وطره منه، فهو١ يسومه سوء العذاب. والعاشق ربما قتل معشوقَه ليشفي نفسه منه، ولا سيّما إذا جاد بالوصال لغيره.
فكم للعشق من قتيل من الجانبين! وكم قد أزال من نعمةٍ، وأفقر من غنًى، وأسقط من مرتبة، وشتّت من شمل! وكم أفسد من أهل للرجل وولد! فإنّ المرأة إذا رأت بعلها عاشقًا لغيرها اتخذت هي معشوقًا لنفسها، فيصير الرجل متردّدًا بين خراب بيته بالطلاق وبيّن القيادة. فمن الناس من يؤثر هذا، ومنهم من يؤثر هذا٢.
فعلى العاقل٣ أن لا يُحكِم على نفسه عشقَ الصور، لئلا يؤديه ذلك إلى هذه المفاسد أو أكثرها أو بعضها. فمن فعل ذلك فهو المفرِّط بنفسه المغرِّر بها، فإذا هلكتْ فهو الذي أهلكها. فلولا٤ تكرارُه النظرَ إلى وجه معشوقه وطمعُه في وصاله لم يتمكّن عشقه من قلبه.
فإنّ أول أسباب العشق الاستحسان، سواء تولّد عن نظر أو سماع.
(١) "منه" ساقط من ز. وفي ف: "وهو".
(٢) "هذا" ساقط من س.
(٣) من هنا قارِن بما جاء في فتوى في العشق (١٨٠ - ١٨١)، والسطور الأولى منقولة منها بحروفها.