الداء والدواء

وصاحبه، وظلمهما متعدٍّ إلى الغير كما تقدّم. وأعظم من ذلك ظلمهما بالشرك. فقد تضمّن العشق أنواع الظلم كلَّها.

والمعشوق إذا لم يتّق الله، فإنه يعرّض العاشق للتلف -وذلك ظلم منه- بأن يُطمعه في نفسه، ويتزيّن له، ويستميله بكلّ طريق، حتى يستخرج منه ماله ونفعه، ولا يمكنه من نفسه لئلا يزول غرضه بقضاء

وطره منه، فهو١ يسومه سوء العذاب. والعاشق ربما قتل معشوقَه ليشفي نفسه منه، ولا سيّما إذا جاد بالوصال لغيره.

فكم للعشق من قتيل من الجانبين! وكم قد أزال من نعمةٍ، وأفقر من غنًى، وأسقط من مرتبة، وشتّت من شمل! وكم أفسد من أهل للرجل وولد! فإنّ المرأة إذا رأت بعلها عاشقًا لغيرها اتخذت هي معشوقًا لنفسها، فيصير الرجل متردّدًا بين خراب بيته بالطلاق وبيّن القيادة. فمن الناس من يؤثر هذا، ومنهم من يؤثر هذا٢.

فعلى العاقل٣ أن لا يُحكِم على نفسه عشقَ الصور، لئلا يؤديه ذلك إلى هذه المفاسد أو أكثرها أو بعضها. فمن فعل ذلك فهو المفرِّط بنفسه المغرِّر بها، فإذا هلكتْ فهو الذي أهلكها. فلولا٤ تكرارُه النظرَ إلى وجه معشوقه وطمعُه في وصاله لم يتمكّن عشقه من قلبه.

فإنّ أول أسباب العشق الاستحسان، سواء تولّد عن نظر أو سماع.

  1. (١) "منه" ساقط من ز. وفي ف: "وهو".
  2. (٢) "هذا" ساقط من س.
  3. (٣) من هنا قارِن بما جاء في فتوى في العشق (١٨٠ - ١٨١)، والسطور الأولى منقولة منها بحروفها.
  4. (٤) ف: "ولولا".
506

فإن لم يقارنه طمع في الوصال، وقارنه الإياس من ذلك؛ لم يحدث له العشق. فإن اقترن به الطمع، فصرفه عن فكره١ ولم يشتغل قلبه به٢؛ لم يحدث له ذلك.

فإن أطال مع ذلك الفكر في محاسن المعشوق، وقارنه خوف ما هو أكبر عنده من لذة وصاله: إما خوف ديني كدخول النار، وغضب الجبار، واحتقاب الأوزار؛ وغلب هذا الخوف على ذلك الطمع

والفكر، لم يحدث له العشق.

فإن فاته هذا الخوف، فقارنه خوف دنيوي، كخوف تَلافِ٣ نفسه وماله، وذَهاب جاهه وسقوطِ مرتبته عند الناسِ، وسقوطِه من عين من يعزّ عليه؛ وغلب هذا الخوف لداعي العشق = دَفعَه.

وكذلك إذا خاف من فوات محبوبٍ هو أحبّ إليه وأنفع له من ذلك المعشوق، وقدّم محبتَه على محبة المعشوق؛ اندفع عنه العشق.

  1. (١) ف: "فصرفه فكره".
  2. (٢) ز: "ولم يشغل … ". و"به" ساقط من ل.
  3. (٣) مصدر تلِف، والمذكور في كتب اللغة: التلَف. وقد ورد في كلام الشعراء والكتاب المتأخرين، ومن ذلك قول ابن زيلاق الموصلي الكاتب الشاعر (٦٦٠ هـ) من قصيدة:
    تجمعتْ فيك للورى فِتنٌ … على تَلافِ النفوس تتّفقُ
    انظر: فوات الوفيات (٤/ ٣٨٨). وقد جمع أبو العلاء بين المصدرين في قوله من لزومية (٢/ ١٠٥):
    تلافَ أمرَك من قبل التَلافِ به … فغايةُ الناس في دنياهم التلَفُ
    وفي النسخ المطبوعة: "إتلاف"، ولعله تغيير من بعض الناسخين أو الناشرين.
507

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي