الداء والدواء

فإن لم يقارنه طمع في الوصال، وقارنه الإياس من ذلك؛ لم يحدث له العشق. فإن اقترن به الطمع، فصرفه عن فكره١ ولم يشتغل قلبه به٢؛ لم يحدث له ذلك.

فإن أطال مع ذلك الفكر في محاسن المعشوق، وقارنه خوف ما هو أكبر عنده من لذة وصاله: إما خوف ديني كدخول النار، وغضب الجبار، واحتقاب الأوزار؛ وغلب هذا الخوف على ذلك الطمع

والفكر، لم يحدث له العشق.

فإن فاته هذا الخوف، فقارنه خوف دنيوي، كخوف تَلافِ٣ نفسه وماله، وذَهاب جاهه وسقوطِ مرتبته عند الناسِ، وسقوطِه من عين من يعزّ عليه؛ وغلب هذا الخوف لداعي العشق = دَفعَه.

وكذلك إذا خاف من فوات محبوبٍ هو أحبّ إليه وأنفع له من ذلك المعشوق، وقدّم محبتَه على محبة المعشوق؛ اندفع عنه العشق.

  1. (١) ف: "فصرفه فكره".
  2. (٢) ز: "ولم يشغل … ". و"به" ساقط من ل.
  3. (٣) مصدر تلِف، والمذكور في كتب اللغة: التلَف. وقد ورد في كلام الشعراء والكتاب المتأخرين، ومن ذلك قول ابن زيلاق الموصلي الكاتب الشاعر (٦٦٠ هـ) من قصيدة:
    تجمعتْ فيك للورى فِتنٌ … على تَلافِ النفوس تتّفقُ
    انظر: فوات الوفيات (٤/ ٣٨٨). وقد جمع أبو العلاء بين المصدرين في قوله من لزومية (٢/ ١٠٥):
    تلافَ أمرَك من قبل التَلافِ به … فغايةُ الناس في دنياهم التلَفُ
    وفي النسخ المطبوعة: "إتلاف"، ولعله تغيير من بعض الناسخين أو الناشرين.
507

فإن انتفى ذلك كلُّه، أو غلبت محبة المعشوق لذلك؛ انجذب إليه القلب بكليّته، ومالت إليه النفس كل الميل.

فإن قيل١: قد ذكرتم آفاتِ العشق ومضارَّه ومفاسدَه، فهلّا ذكرتم منافعَه وفوائده التي من جملتها: رقة الطبع، وترويح النفس، وخفّتها، وزوال ثقلها، ورياضتها، وحملها على مكارم الأخلاق من الشجاعة والكرم والمروءة ورقّة الحاشية ولطف الجانب.

وقد٢ قيل ليحيى بن معاذ الرازي: إنّ ابنك عشق فلانة، فقال: الحمد لله الذي صيّره إلى طبع الآدمي٣! وقال بعضهم: العشق داء أفئدة الكرام٤.

وقال غيره: العشق لا يصلح إلا لذي مروءة ظاهرة وخليقة طاهرة، أو لذي لسان فاضل وإحسان كامل، أو لذي أدب بارع وحسب ناصع٥.

وقال آخر: العشق يشجّع جَنان الجبان، ويصفّي ذهن الغبيّ، ويسخّي كفّ البخيل، ويُذِلّ عزّةَ الملوك، ويسكِّن نوافر الأخلاق٦. وهو أنيس من لا أنيس له، وجليس من لا جليس له٧.

  1. (١) من هنا إلى ص (٥٣٢) فصل طويل في فوائد العشق التي ذكرها المؤلف على لسان المعترض، ثم ردّ عليه.
  2. (٢) لم يرد "وقد" في ف.
  3. (٣) فتوى في العشق (١٧٨).
  4. (٤) المرجع السابق.
  5. (٥) المرجع السابق.
  6. (٦) ف: "الأعلاق"، تحريف.
  7. (٧) فتوى في العشق (١٧٩)، المصون (٤٦)، بهجة المجالس (١/ ٨٢٣)، روضة =
508

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي