دفعه إليه١. ثم أمر بالجارية فدُفِعت إليه. ثم قال له: إياك وإياها، فلعل أباك كان ألمَّ بها. فقال٢ الغلام: هي لك يا أمير المؤمنين. قال: لا حاجة لي بها. قال: فابتَعْها منّي. قال لستُ إذا ممن نهى النفسَ عن الهوى. فلما عزم الفتى على الانصراف بها قالت: أين وجدُك بي يا أمير المؤمنين؟ قال: على حاله، ولقد زاد! ولم تزل الجارية في نفس عمر حتى مات ﵀.
وهذا أبو بكر محمَّد٣ بن داود الظاهري، العلَم٤ المشهور في فنون العلم من الفقه والحديث والتفسير والأدب، وله قول في الفقه، وهو من أكابر العلماء، وعشقه مشهور٥.
قال نِفطَويه: دخلتُ عليه في مرضه الذي مات فيه، فقلت: كيف تجدك؟ فقال٦: حبُّ من تعلم أورثني ما ترى. فقلت: وما يمنعك من الاستمتاع به مع القدرة عليه؟ فقال: الاستمتاع على وجهين: أحدهما النظر المباح، والآخر اللذة المحظورة. فأما النظر المباح فهو الذي أورثني ما ترى. وأما اللذة المحظورة فمنعني منها ما حدثني أبي، حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا علي بن مُسْهِر، عن أبي يحيى القتّات، عن مجاهد، عن ابن عباس يرفعه: "من عشِق وكتَم وعفّ وصبر غفر الله له،
(١) س: "ردّه عليه".
(٢) ف: "قال".
(٣) ف، ل: "بن محمَّد"، خطأ. وسقط "بن داود" من ل.
(٤) س: "العالم". ز: "المعلم"، تحريف.
(٥) انظر ترجمته في تاريخ بغداد (٥/ ٢٥٦)، وسير أعلام البلاء (١٣/ ١٠٩).
(٦) ف: "قال".
وأدخله الجنّة"١. ثم أنشد:
انظر إلى السِّحر يجري في لواحظهوانظر إلى دَعَجٍ في طرفه الساجي٢
وانظر إلى شعَراتٍ فوق عارضهكأنهنَّ نِمالٌ دبَّ في عاجِ
ثم أنشد:
ما لهم أنكروا سوادًا بخَدَّيْــهِ ولا ينكرون وردَ الغصون
إن يكن عيبُ خدِّه بدَدَ الشَّعــرِ فعيبُ العيون شَعْرُ الجفونِ٣
فقلت له: نفيتَ القياس في الفقه، وأثبتَّه في الشعر. فقال: غلبة الوجد وملكة النفس دعَوَا إليه. ثم مات من ليلته٤.
وبسبب معشوقه صنّف كتاب "الزهرة". ومن كلامه فيه٥: من يئس ممن٦ يهواه ولم يمُتْ٧ من وقته سلاه وذلك أنً أول روعات اليأس٨ تأتي القلب، وهو غير مستعدّ لها، فأما الثانية فتأتي القلب، وقد وطّأته لها الروعة الأولى٩.
(١) انظر كلام المصنف على هذا الحديث في آخر الفصل.
(٢) س: "من لواحظه".
(٣) ورد الشطر الأول في ف هكذا: "إن يكن عيبه عيب الشعر".
(٤) ف: "في ليلته". وانظر: تاريخ بغداد (٥/ ٢٦٢).
(٥) وأوله عنوان الباب الثامن والأربعين منه. انظر ص (٤٥٢).
(٦) ز: "تأسّى بمن". وفي س: "باس بمن".
(٧) في الزهرة: "لم يلتفت"، ولعل صوابه: "لم يُفتلَتْ".