الداء والدواء

والمنبر إذ سمعت أنينًا، فأصغيت إليه، فإذا هو يقول:

أَشْجاكَ نَوحُ حمائم السِّدْرِفأهَجْنَ منك بلابلَ الصَّدْرِ
أم عزّ نومَك ذكرُ غانيةٍأهدَتْ إليك وساوسَ الفكْرِ١
يا ليلةً طالت على دَنِفٍيشكو السُّهادَ وقلّةَ الصبرِ
أسلمتِ مَن يهوَى لحرِّ جوىًمتوقِّدٍ كتوقُّدِ الجَمْرِ٢
فالبدرُ يشهد أنّني كلِفٌمُغْرىً بحبِّ شبيهةِ البدرِ
ما كنت أحسبني أهيم بهاحتّى بُليتُ وكنتُ لا أدري

ثم انقطع الصوت، فلم أدر من أين جاء، وإذا به قد أعاد البكاء والأنين، ثم أنشد:

أشجاك من ريَا خيالٌ زائرُوالليلُ مسوَدُّ الذوائبِ عاكِرُ٣
واعتاد مهجتك الهوى برَسِيسِهواهتاجَ مقلتك الخيالُ الزائرُ٤
ناديتُ ريَّا والظلامُ كأنّهيمٌّ تلاطَمَ فيه موجٌ زاخرُ
والبدرُ يسري في السماء كانّهملِكٌ ترجَّلَ والنجومُ عساكِرُ
وترى به الجوزاءَ ترقصُ في الدُّجىرقصَ الحبيبِ علاه سُكْرٌ ظاهرُ٥
  1. (١) ف: "ذكر غائبة"، تصحيف.
  2. (٢) ما عدا ف: "تهوى"، تصحيف. وفي ل: "متوقدًا".
  3. (٣) ف: "من فيءٍ"، ولعله تحريف.
  4. (٤) كذا في النسخ والواضح المبين. وفي منازل الأحباب: "الخيال الباكر".
  5. (٥) ف: "ضيا الجوزاء يرقص".
521
يا ليلُ طُلْتَ على محِبٍّ ما لهإلا الصباحَ مُساعِدٌ ومُؤازِرُ
فأجابني مُتْ حتفَ أنفِكَ واعلمَنْأنّ الهوى لَهُوَ الهَوانُ الحاضِرُ

قال: وكنتُ ذهبتُ عند ابتدائه بالأبيات١، فلم ينتهِ إلا وأنا عنده. فرأيتُ شابًّا مقتبلًا٢ شبابُه، قد خرق الدمعُ في خدّه خَرْقَين، فسلّمتُ عليه، فقال: اجلس، من أنت؟ فقلت: عبد الله بن معمر القيسي. قال: ألك حاجة؟ قلت: نعم، كنتُ جالسًا في الروضة، فما راعني إلا صوتك. فبنفسي أفديك، فما الذي تجد؟ فقال: أنا عتبة بن الحُباب بن المنذر بن الجموح الأنصاري٣، غدوتُ يومًا إلى مسجد الأحزاب، فصلّيت فيه، ثم اعتزلتُ غيرَ بعيد، فإذا٤ بنسوة قد أقبلن يتهادَين مثل القطا، وفي وسطهن جارية بديعة الجمال كاملة الملاحة، فوقَفتْ عليّ وقالت: يا عتبةُ ما تقول في وصلِ مَن يطلب وصلك؛ ثم تركَتْني وذهبَتْ، فلم أسمع لها خبرًا، ولا قفوتُ لها أثرًا، وأنا حيران أنتقل من مكان إلى مكان. ثم صرخ وأكبّ مغشيًّا عليه، ثم أفاق كأنما٥ صُبغت وجنتاه بوَرْس، ثم أنشأ يقول٦:

  1. (١) "بالأبيات" من ل.
  2. (٢) ف: "مقبلًا".
  3. (٣) في المستجاد: "عيينة بن الحباب … ". الحباب من المنذر صحابي معروف. وهو صاحب الرأي يوم بدر. وابنه خَشْرم من أهل الحديبية. انظر جمهرة أنساب العرب (٣٥٩). والإصابة (٢/ ٢٨٥). أما عتبة أو عيينة بن الحباب فلم أجد له ذكرًا.
  4. (٤) ز: "وإذا".
  5. (٥) ز: "فكأنما".
  6. (٦) لم يرد "يقول" في س، ف. وفي ل: "ثم أنشد".
522

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي