الداء والدواء
يا ليلُ طُلْتَ على محِبٍّ ما لهإلا الصباحَ مُساعِدٌ ومُؤازِرُ
فأجابني مُتْ حتفَ أنفِكَ واعلمَنْأنّ الهوى لَهُوَ الهَوانُ الحاضِرُ

قال: وكنتُ ذهبتُ عند ابتدائه بالأبيات١، فلم ينتهِ إلا وأنا عنده. فرأيتُ شابًّا مقتبلًا٢ شبابُه، قد خرق الدمعُ في خدّه خَرْقَين، فسلّمتُ عليه، فقال: اجلس، من أنت؟ فقلت: عبد الله بن معمر القيسي. قال: ألك حاجة؟ قلت: نعم، كنتُ جالسًا في الروضة، فما راعني إلا صوتك. فبنفسي أفديك، فما الذي تجد؟ فقال: أنا عتبة بن الحُباب بن المنذر بن الجموح الأنصاري٣، غدوتُ يومًا إلى مسجد الأحزاب، فصلّيت فيه، ثم اعتزلتُ غيرَ بعيد، فإذا٤ بنسوة قد أقبلن يتهادَين مثل القطا، وفي وسطهن جارية بديعة الجمال كاملة الملاحة، فوقَفتْ عليّ وقالت: يا عتبةُ ما تقول في وصلِ مَن يطلب وصلك؛ ثم تركَتْني وذهبَتْ، فلم أسمع لها خبرًا، ولا قفوتُ لها أثرًا، وأنا حيران أنتقل من مكان إلى مكان. ثم صرخ وأكبّ مغشيًّا عليه، ثم أفاق كأنما٥ صُبغت وجنتاه بوَرْس، ثم أنشأ يقول٦:

  1. (١) "بالأبيات" من ل.
  2. (٢) ف: "مقبلًا".
  3. (٣) في المستجاد: "عيينة بن الحباب … ". الحباب من المنذر صحابي معروف. وهو صاحب الرأي يوم بدر. وابنه خَشْرم من أهل الحديبية. انظر جمهرة أنساب العرب (٣٥٩). والإصابة (٢/ ٢٨٥). أما عتبة أو عيينة بن الحباب فلم أجد له ذكرًا.
  4. (٤) ز: "وإذا".
  5. (٥) ز: "فكأنما".
  6. (٦) لم يرد "يقول" في س، ف. وفي ل: "ثم أنشد".
522
أراكم بقلبي من بلادٍ بعيدةٍفيا هَلْ تَرَوني بالفؤاد على بُعدِ
فؤادي وطَرفي يأسفان عليكمُوعندكمُ روحي وذكركمُ عندي
ولستُ ألذُّ العيشَ حتّى أراكمولو كنتُ في الفردوس في جنّةِ الخلدِ

فقلت: يا ابن أخي تُبْ إلى ربّك، واستغفِرْ من ذنبك١، فبين يديك هولُ المُطَّلَع٢. فقال: ما أنا بسالٍ حتى يؤوب القارظان٣! ولم أزل معه إلى أن طلع الصبح٤، فقلت: قم بنا إلى مسجد الأحزاب، فلعل الله أن يكشف كربتك. قال: أرجو ذاك إن شاء الله ببركة طَلْعتك.

فذهبنا حتى أتينا مسجد الأحزاب، فسمعته يقول:

يا لَلرِّجالِ لِيوم الأربعاء أماينفكّ يُحدِث لي بعد النُّهَى طرَبا
ما إن يزال غزالٌ منه يُقلِقنييأتي إلى مسجد الأحزاب مُنْتقِبا٥
يُخبّر الناسَ أنّ الأجرَ همّتُهوما أتى طالبًا للأجر محتسِبا
لو كان يبغي ثوابًا ما أتى صَلِفًامضمَّخًا بفتيت المسك مختضِبا٦
  1. (١) ف: "لذنبك".
  2. (٢) يعني الموقف يوم القيامة أو ما يشرف عليه من أمر الآخرة عقيب الموت. قال عمر ﵁: "لو أن لي ما في الأرض جميعًا لافتديتُ به من هول المطلع". انظر النهاية (٣/ ١٣٢).
  3. (٣) من أمثالهم في التأبيد. انظر تفسيره في فصل المقال (٤٧٣)، وجمهرة الأمثال (١/ ١٢٣).
  4. (٤) ل: "حتى طلع الفجر". س: "أن حتى طلع الصبح".
  5. (٥) في المستجاد، ومنازل الأحباب، والواضح المبين: "يظلمني".
  6. (٦) الصلَف: الغلوّ في الظرف مع تكبّر. اللسان (صلف). وفي المستجاد، ومنازل (٧) الأحباب، والواضح المبين: "أتى ظهرًا".
523

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي