الداء والدواء
أراكم بقلبي من بلادٍ بعيدةٍفيا هَلْ تَرَوني بالفؤاد على بُعدِ
فؤادي وطَرفي يأسفان عليكمُوعندكمُ روحي وذكركمُ عندي
ولستُ ألذُّ العيشَ حتّى أراكمولو كنتُ في الفردوس في جنّةِ الخلدِ

فقلت: يا ابن أخي تُبْ إلى ربّك، واستغفِرْ من ذنبك١، فبين يديك هولُ المُطَّلَع٢. فقال: ما أنا بسالٍ حتى يؤوب القارظان٣! ولم أزل معه إلى أن طلع الصبح٤، فقلت: قم بنا إلى مسجد الأحزاب، فلعل الله أن يكشف كربتك. قال: أرجو ذاك إن شاء الله ببركة طَلْعتك.

فذهبنا حتى أتينا مسجد الأحزاب، فسمعته يقول:

يا لَلرِّجالِ لِيوم الأربعاء أماينفكّ يُحدِث لي بعد النُّهَى طرَبا
ما إن يزال غزالٌ منه يُقلِقنييأتي إلى مسجد الأحزاب مُنْتقِبا٥
يُخبّر الناسَ أنّ الأجرَ همّتُهوما أتى طالبًا للأجر محتسِبا
لو كان يبغي ثوابًا ما أتى صَلِفًامضمَّخًا بفتيت المسك مختضِبا٦
  1. (١) ف: "لذنبك".
  2. (٢) يعني الموقف يوم القيامة أو ما يشرف عليه من أمر الآخرة عقيب الموت. قال عمر ﵁: "لو أن لي ما في الأرض جميعًا لافتديتُ به من هول المطلع". انظر النهاية (٣/ ١٣٢).
  3. (٣) من أمثالهم في التأبيد. انظر تفسيره في فصل المقال (٤٧٣)، وجمهرة الأمثال (١/ ١٢٣).
  4. (٤) ل: "حتى طلع الفجر". س: "أن حتى طلع الصبح".
  5. (٥) في المستجاد، ومنازل الأحباب، والواضح المبين: "يظلمني".
  6. (٦) الصلَف: الغلوّ في الظرف مع تكبّر. اللسان (صلف). وفي المستجاد، ومنازل (٧) الأحباب، والواضح المبين: "أتى ظهرًا".
523

ثم جلسنا حتى صلينا الظهر. فإذا بالنسوة قد أقبلن، وليست الجارية فيهن، فوقفن عليه، وقلن له: يا عتبةُ ما ظنّكَ بطالبةِ وصلك وكاسفةِ بالك١؟ قال: وما بالها؟ قلن: أخذها أبوها، وارتحل بها إلى

أرض السماوة. فسألتُهن عن الجارية، فقلن: هي ريّا ابنة الغِطريف السُّلَمي. فرفع عتبة رأسه إليهن، وقال:

خليلَيَّ ريّا قد أجدَّ بكورُهاوسارت إلى أرض السماوة عِيرُها٢
خليلَيَّ إني قد عَشِيتُ من البكافهل عند غيري مقلةٌ أستعيرُها٣

فقلت له: إنّي قد وردتُ بمال جزيل أريد به أهلَ السَّتْر٤، ووالله لأبذلنَّه أمامك حتى تبلغَ رضاك وفوق الرضا! فقم بنا إلى مسجد الأنصار. فقمنا وسِرْنا حتى أشرفنا على ملأ منهم، فسلّمتُ، فأحسنوا الردّ. فقلتُ: أيها الملأ ما تقولون في عتبة وأبيه؟ قالوا: من سادات العرب. فقلت: إنّه قد رُميَ بداهية من الهوى، وما أريد منكم إلا المساعدة إلى السماوة. فقالوا: سمعًا وطاعة.

فركبنا، وركب القوم معنا، حتى أشرفنا على منازل بني سُلَيم. فأُعْلِم الغطريفُ بنا، فخرج مبادرًا، فاستقبلنا، وقال: حُييّتم بالإكرام. فقلنا: وأنتَ فحيّاك الله، إنّا لك أضياف. فقال: نزلتم أكرَم منزل. فنادى: يا معشر العبيد أنزِلوا القومَ. ففُرشت الأنطاع والنَّمارق٥،

  1. (١) في النسخ كلها: "كاشفة بالك" بالشين المعجمة، تصحيف.
  2. (٢) ف: "أخذن بكورها" تحريف.
  3. (٣) في المستجاد بيت آخر بينهما.
  4. (٤) ز: "السير"، تصحيف.
  5. (٥) النِّطَع: بساط من أديم. والنُّمُرُقة: الوسادة.
524

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي