وذُبحت الذبائح. فقلنا: لسنا بذائقي طعامك حتى تقضي حاجتنا. فقال: وما حاجتكم؟ قلنا: نخطب عقيلتك الكريمة لعتبة بن الحباب بن المنذر. فقال: إنّ التي تخطبونها أمرُها إلى نفسها، وأنا أدخلُ أُخبِرها١.
ثم دخل مغضَبًا على ابنته، فقالت: يا أبت ما لي أرى الغضب في وجهك؟ فقال: قد ورد الأنصار يخطبونكِ٢ منّي. قالت: سادة٣ كرام، استغفر لهم النبي ﷺ، فلمن الخِطبة منهم؟ قال: لعتبة بن الحباب. قالت: والله لقد سمعتُ عن عتبة هذا أنّه يفي بما وعد، ويدرك
إذا قَصَد. فقال: أقسمتُ لا زوّجتُك٤ به أبدًا، ولقد نمى إلي بعض حديثك معه. فقالت: ما كان ذلك٥، ولكن إذ أقسمتَ فإنّ٦ الأنصار لا يُرَدّون٧ ردًّا قبيحًا، فأحسِنْ لهم الردَّ. فقال: بأيّ شيء؟ قالت: أغلِظْ لهم المهر٨، فإنهم يرجعون ولا يجيبون. فقال: ما أحسن ما قلتِ!
ثمّ خرج مبادرًا فقال: إنّ فتاة الحيّ قد أجابت، ولكنّي٩ أريد لها
(١) ف: "أخطبها".
(٢) ف: "يخطبون".
(٣) س: "سادات".
(٤) س، ف: "لا أزوجك".
(٥) س: "كذلك".
(٦) "إذ أقسمت فإنّ" ساقط من س.
(٧) ف: "لا ترد".
(٨) "المهر" ساقط من س.
(٩) ف: "ولكن".
مهرَ مثلِها١، فمن القائم به؟ فقال عبد الله بن معمّر: أنا، فقُلْ ما شئتَ! فقال: ألف مثقال من الذهب، ومائة ثوب من الأبراد، وخمسة أكرِشةِ عنبر٢. فقال عبد الله: لك ذلك، فهل أجبتَ؟ قال: نعم، قال عبد الله: فأنفذتُ نفرًا من الأنصار إلى المدينة، فأتوا بجميع ما طلب. ثم صنعت
الوليمة وأقمنا على ذلك أيامًا. ثم قال: خذوا فتاتكم، وانصرِفوا مصاحَبين.
ثم حملها في هودج، وجهّزها بثلاثين راحلةً من المتاع والتحَف، فودّعناه، وسرنا، حتّى إذا بقي بيننا وبيّن المدينة مرحلة واحدة خرجت علينا خيل تريد الغارة، أحسبها من سليم، فحمل عليها عتبة بن الحباب، فقتل منهم رجالًا، وجدّل آخرين. ثم رجع وبه طعنة تفور دمًا، فسقط إلى الأرض. وأتتنا نجدة٣، فطردت عنّا الخيل. وقد قضى عتبة نحبه، فقلنا: وا عتبتاه! فسمعتنا٤ الجارية، فألقت نفسَها عن البعير، وجعلت٥ تصيح بحرقة وأنشدت:
تصبّرتُ لا أنّي صبرتُ وإنماأعلِّل نفسي أنّها بك لاحقَه
فلو أنصفَتْ روحي لكانت إلى الرَّدىأمامكَ من دون البريّة سابقَه
(١) ف، ل: "مهرًا مثلها".
(٢) ف: "من العنبر". والأكرشة: جمع كرِش، وهو وعاء الطيب والثوب. اللسان (كرش). وفي المستجاد زيادة خمسة آلاف درهم من ضرب هجر، وعشرين ثوبًا من الوشي المطيّر، وعقد من الجوهر، وعشرين نافجة من المسك الأذفر!