الداء والدواء

مهرَ مثلِها١، فمن القائم به؟ فقال عبد الله بن معمّر: أنا، فقُلْ ما شئتَ! فقال: ألف مثقال من الذهب، ومائة ثوب من الأبراد، وخمسة أكرِشةِ عنبر٢. فقال عبد الله: لك ذلك، فهل أجبتَ؟ قال: نعم، قال عبد الله: فأنفذتُ نفرًا من الأنصار إلى المدينة، فأتوا بجميع ما طلب. ثم صنعت

الوليمة وأقمنا على ذلك أيامًا. ثم قال: خذوا فتاتكم، وانصرِفوا مصاحَبين.

ثم حملها في هودج، وجهّزها بثلاثين راحلةً من المتاع والتحَف، فودّعناه، وسرنا، حتّى إذا بقي بيننا وبيّن المدينة مرحلة واحدة خرجت علينا خيل تريد الغارة، أحسبها من سليم، فحمل عليها عتبة بن الحباب، فقتل منهم رجالًا، وجدّل آخرين. ثم رجع وبه طعنة تفور دمًا، فسقط إلى الأرض. وأتتنا نجدة٣، فطردت عنّا الخيل. وقد قضى عتبة نحبه، فقلنا: وا عتبتاه! فسمعتنا٤ الجارية، فألقت نفسَها عن البعير، وجعلت٥ تصيح بحرقة وأنشدت:

تصبّرتُ لا أنّي صبرتُ وإنماأعلِّل نفسي أنّها بك لاحقَه
فلو أنصفَتْ روحي لكانت إلى الرَّدىأمامكَ من دون البريّة سابقَه
  1. (١) ف، ل: "مهرًا مثلها".
  2. (٢) ف: "من العنبر". والأكرشة: جمع كرِش، وهو وعاء الطيب والثوب. اللسان (كرش). وفي المستجاد زيادة خمسة آلاف درهم من ضرب هجر، وعشرين ثوبًا من الوشي المطيّر، وعقد من الجوهر، وعشرين نافجة من المسك الأذفر!
  3. (٣) س: "وانثنى بخدّه"، تصحيف.
  4. (٤) ف: "فسمعت".
  5. (٥) "وجعلت" ساقط من ف.
526
فما أحدٌ بعدي وبعدكَ منصِفٌخليلًا ولا نفسٌ لنفسٍ موافقَه

ثم شهقت، وقضت نحبها. فاحتفرنا لهما قبرًا واحدًا، ودفنّاهما فيه. ثم رجعتُ، فأقمتُ١ سبعَ سنين. ثم ذهبتُ إلى الحجاز، ووردتُ المدينة، فقلت: واللهِ لآتينّ قبرَ عتبة أزوره. فأتيت القبر، فإذا عليه شجرةٌ عليها عصائب حمر وصفر. فقلت لأرباب المنزل: ما يقال لهذه الشجرة؟ قالوا: شجرة العروسين!

ولو لم يكن في العشق من الرخصة المخالفة للتشديد إلا الحديث الوارد بالحسَن من الأسانيد، وهو حديث سُوَيد بن سعيد، عن علي بن مسهر، عن أبي يحيى القتّات، عن مجاهد، عن ابن عباس يرفعه: "من عشِقَ وعفَّ وكتَم فمات، فهو شهيد"٢.

ورواه سويد أيضًا عن ابن مسهر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة مرفوعًا.

ورواه الخطيب، عن الأزهري، عن المعافى بن زكريا، عن قُطبة بن الفضل٣، عن أحمد بن مسروق عنه.

  1. (١) ف: "ثم رحت إلى المدينة وأقمت"، وهو غلط. والمقصود أنّه رجع إلى بلده.
  2. (٢) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٣/ ١٩٥) وابن الجوزي في ذم الهوى (١٠١). وأخرجه الخطيب في تاريخ بغداد (٥/ ٣٦٤) و(٦/ ٤٨) و(١١/ ٢٩٥) و(١٣/ ٨٥) وابن الجوزي في العلل المتناهية (١٢٨٦، ١٢٨٧) وفي ذم الهوى (٢٥٦ - ٢٥٨) من طريق جماعةٍ عن سويد بن سعيد به. وسيأتي كلام المؤلف عليه في آخر الكتاب.
  3. (٣) ف: "قطبة عن الفضل"، خطأ.
527

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي