وذكر الخرائطي٢ أنّ عبد الله بن عمر اشترى جارية رومية، فكان يحبّها حبًا شديدًا، فوقعت ذات يوم عن بغلة له، فجعل يمسح التراب عن وجهها، ويفدّيها٣. وكانت تكثر أن تقول له: يا بَطْرون، أنت قالون. تعني٤: يا مولاي أنت جيّد. ثم إنها هربت منه، فوجد عليها وجدًا شديدًا، وقال:
قد كنت أحسَبني قالونَ فانصرفَتْفاليوم أعلم أنّي غيرُ قالونِ
قال أبو محمَّد بن حزم: وقد أحبّ من الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين كثير٥.
(٢) وكذا قال في روضة المحبين (٢٧٨) أيضًا. وكذا عن الخرائطي في الواضح المبين (٢٩)، ولم أجده في المطبوع من اعتلال القلوب (ص). أخرجه ابن عساكر في تاريخه (٣١/ ١٧٨) من طريق شيخ من أهل المدينة عن مالك قال، فذكره. وسنده لا يصح لجهالة هذا الشيخ، ولأجل الانقطاع بين مالك وابن عمر (ز).
(٣) س، ل: "ويقبّلها".
(٤) س، ل، ز: "يعني". ولم ترد الكلمة في ف.
(٥) كذا ورد قول ابن حزم في الواضح المبين (٣٠) وروضة المحبين (٢٧٨). والذي في طوق الحمامة (٥): "من الخلفاء المهديين والأئمة الراشدين". وقد ذكر ابن حزم بعده عبد الرحمن بن معاوية، والحكم بن هشام، وعبد الرحمن بن الحكم من حكام الأندلس وبعض كبار رجالهم. وفي ف: "وقد أحب الخلفاء الراشدون والأئمة المهديّون كثيرًا"!
وقال رجل لعمر بن الخطاب: يا امير المؤمنين رأيتُ امرأةً، فعشقتُها. فقال: ذاك ما لا تملك١.
فالجواب -وبالله التوفيق- أنّ الكلام في هذا الباب لا بد فيه من التمييز بين الواقع والجائز٢ والنافع والضارّ. ولا يُسجَل٣ عليه بالذمّ والإنكار ولا بالمدح والقبول من حيث الجملة٤. وإنما يتبين حكمه وينكشف أمره بذكر متعلَّقه، وإلا فالعشق من حيث هو لا يُحمَد ولا يُذَمّ. ونحن نذكر النافع من الحبّ والضارّ والجائز والحرام.
اعلم أنّ أنفع المحبة على الإطلاق وأوجَبها وأعلاها وأجلّها محبةُ مَن جُبلت القلوب على محبته، وفطرت الخليقة على تألّهه. وبها قامت الأرضَ والسماوات، وعليها فُطِرت المخلوقات. وهي سرّ شهادة أن لا إله إلا الله، فإنّ "الإله" هو الذي تألَهه القلوبُ بالمحبة والإجلال والتعظيم والذلّ والخضوع، وتعبدُه. والعبادة لا تصحّ إلا له وحده، و"العبادة" هي كمال الحبّ مع كمال الخضوع والذلّ. والشركُ في هذه العبودية من أظلم الظلم الذي لا يغفره الله. والله تعالى يُحَبّ لذاته من
جميع الوجوه، وما سواه فإنّما يُحَبّ تبعًا لمحبته.
(١) الواضح المبين (٣٠).
(٢) ف: "الواقع الجائز".
(٣) س، ل: "لا يستعجل". والمثبت من ز. وكذا في ف، ولكن يظهر أنه غُيّر. وأسجل الحكم: أرسله. والمقصود أنه لا يحكم عليه مطلقًا بالمدح أو الذمّ. قال المصنف في الصواعق المرسلة (٧٩١): "وأسجل عليهم بالكفر والنفاق".