الداء والدواء

وقد أقسم النبي ﷺ أنّه "لا يؤمن عبدٌ حتى يكونَ هو أحبَّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين"١ فكيف بمحبة الربّ ﷻ؟

وقال لعمر بن الخطاب: "لا حتّى أكون أحبَّ إليك من نفسك"٢.

أي لا تؤمن حتى تصل محبتك لي إلى هذه الغاية.

وإذا كان النبي ﷺ أولى بنا من أنفسنا في المحبة ولوازمها، أفليس الربّ ﷻ، وتقدّست أسماؤه، وتبارك اسمه، وتعالى جدّه، ولا إله غيره- أولى بمحبّيه٣ وعباده من أنفسهم؟

وكلُّ ما منه إلى عبده المؤمن يدعوه إلى محبته، مما يحبّ العبد أو يكره. فعطاؤه ومنعه٤، ومعافاته وابتلاؤه، وقبضه وبسطه، وعدله وفضله، وإماتته وإحياؤه، ولطفه وبرّه، ورحمته وإحسانه، وستره وعفوه، وحلمه وصبره على عبده، وإجابته لدعائه، وكشف كربه، وإغاثة لهفته، وتفريج كربته -من غير حاجة منه إليه، بل٥ مع غناه التامّ عنه من جميع الوجوه٦ - كلُّ ذلك٧ داع للقلوب إلى تألّهه ومحبته.

بل تمكينُه عبدَه من معصيته، وإعانتُه عليه وسَترُه حتى يقضي وطره

  1. (١) تقدّم تخريجه (٤٦٤).
  2. (٢) تقدم تخريجه (٤٦٤).
  3. (٣) ل، س: "بمحبته"، تصحيف.
  4. (٤) ف: "عطاؤه ومنعه". وقد سقط "ومنعه" من ز.
  5. (٥) "بل" ساقطة من ز، و"مع" ساقطة من س.
  6. (٦) ف: "كل الوجوه".
  7. (٧) ل: "وكل ذلك" خطأ، وقد سقط منها "داعٍ".
535

منها، وكلاءته وحراسته له وهو يقضي وطره من معصيته، بعينه، ويستعين عليها بنعمه = من أقوى الدواعي إلى محبته.

فلو أنّ مخلوقًا فعل بمخلوق أدنى شيء من ذلك لم يملك قلبَه عن محبته، فكيف لا يحبّ العبد بكل قلبه وجوارحه من يحسن إليه على الدوام بعدد الأنفاس، مع إساءته؟ فخيره إليه نازل، وشرّه إليه صاعد، يتحبّب إليه بنعمه وهو غنيّ عنه، والعبد يتبغّض إليه بالمعاصي وهو فقير إليه١! فلا إحسانُه وبرّه وإنعامه عليه يصدّه عن معصيته، ولا معصيةُ العبد ولؤمُه يقطع إحسانَ ربّه عنه!

فألأمُ اللؤم تخلّفُ القلوب عن محبة مَن هذا شأنه، وتعلّقُها بمحبة سواه!

وأيضًا فكلّ من تحبّه من الخلق ويحبّك إنّما يريدك لنفسه وغرضه منك، والله ﷾ يريدك لك، كما في الأثر الإلهي: "عبدي، كلٌّ يريدك لنفسه، وأنا أريدك لك"٢ فكيف لا يستحي العبد أن يكون ربه له٣ بهذه المنزلة، وهو مُعرِض عنه، مشغول بحبّ غيره، قد استغرق٤ قلبَه محبةُ سواه؟

وأيضًا فكلّ من تُعامله من الخلق إن لم يربح عليك لم يُعاملك،

  1. (١) مأخوذ من "أثر إلهي" قال وهب بن منبه إنه قرأه في بعض الكتب. انظر حلية الأولياء (٤/ ٣١). ونقله المؤلف في غير موضع. انظر: زاد المعاد (٢/ ٤٠٩)، ومدارج السالكين (١/ ٤٦٤).
  2. (٢) ذكره المصنف أيضًا في مدارج السالكين (٣/ ٤٠٧).
  3. (٣) ف: "له ربه".
  4. (٤) س، ل: "وقد استغرق".
536

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي