الداء والدواء

منها، وكلاءته وحراسته له وهو يقضي وطره من معصيته، بعينه، ويستعين عليها بنعمه = من أقوى الدواعي إلى محبته.

فلو أنّ مخلوقًا فعل بمخلوق أدنى شيء من ذلك لم يملك قلبَه عن محبته، فكيف لا يحبّ العبد بكل قلبه وجوارحه من يحسن إليه على الدوام بعدد الأنفاس، مع إساءته؟ فخيره إليه نازل، وشرّه إليه صاعد، يتحبّب إليه بنعمه وهو غنيّ عنه، والعبد يتبغّض إليه بالمعاصي وهو فقير إليه١! فلا إحسانُه وبرّه وإنعامه عليه يصدّه عن معصيته، ولا معصيةُ العبد ولؤمُه يقطع إحسانَ ربّه عنه!

فألأمُ اللؤم تخلّفُ القلوب عن محبة مَن هذا شأنه، وتعلّقُها بمحبة سواه!

وأيضًا فكلّ من تحبّه من الخلق ويحبّك إنّما يريدك لنفسه وغرضه منك، والله ﷾ يريدك لك، كما في الأثر الإلهي: "عبدي، كلٌّ يريدك لنفسه، وأنا أريدك لك"٢ فكيف لا يستحي العبد أن يكون ربه له٣ بهذه المنزلة، وهو مُعرِض عنه، مشغول بحبّ غيره، قد استغرق٤ قلبَه محبةُ سواه؟

وأيضًا فكلّ من تُعامله من الخلق إن لم يربح عليك لم يُعاملك،

  1. (١) مأخوذ من "أثر إلهي" قال وهب بن منبه إنه قرأه في بعض الكتب. انظر حلية الأولياء (٤/ ٣١). ونقله المؤلف في غير موضع. انظر: زاد المعاد (٢/ ٤٠٩)، ومدارج السالكين (١/ ٤٦٤).
  2. (٢) ذكره المصنف أيضًا في مدارج السالكين (٣/ ٤٠٧).
  3. (٣) ف: "له ربه".
  4. (٤) س، ل: "وقد استغرق".
536

ولا بدّ له١ من نوع من أنواع الربح. والربّ تعالى إنّما يعاملك لتربحَ أنت عليه أعظمَ الربح وأعلاه. فالدرهم بعشرة أمثاله إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، والسيئة بواحدة، وهي أسرع شيء محوًا.

وأيضًا فهو سبحانه خلقك لنفسه، وخلق كلَّ شيء لك في الدنيا والآخرة. فمن أولى منه باستفراغ الوسع في محبته وبذل الجهد في مرضاته؟

وأيضًا فمطالبك بل مطالب الخلق كلهم جميعًا لديه، وهو أجود الأجودين، وأكرم الأكرمين، وأعطى عبده قبل أن يسأله فوق ما يؤمّله. يشكر القليل من العمل وينمّيه، ويغفر الكثير من الزلل ويمحوه٢. ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ٢٩﴾ [الرحمن: ٢٩]. لا يشغله سمع عن سمع، ولا يغلّطه كثرة المسائل، ولا يتبرّم بإلحاح الملِحّين، بل يحبّ الملحّين في الدعاء. ويُحِبّ أن يُسألَ، ويغضب٣ إذا لم يُسال. يستحي من عبده حيث٤ لا يستحي العبد منه، ويستره حيث لا يستر نفسه، ويرحمه حيث لا يرحم نفسه. دعاه بنعمه وإحسانه٥ وأياديه إلى كرامته ورضوانه، فأبى. فأرسل رسله في طلبه، وبعث إليه معهم عهدَه. ثم نزل سبحانه إليه بنفسه، وقال: "من يسألني

  1. (١) "له" ساقط من س.
  2. (٢) بعده في س، ف: "ويسأله".
  3. (٣) ف: "فيغضب".
  4. (٤) ف: "من حيث". والعبارة "يستحي … حيث لا" ساقطة من س.
  5. (٥) س: "دعاه بإحسانه".
537

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي