وكيف لا تحبّ القلوبُ من لا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يذهب بالسيّئات إلا هو، ولا يجيب الدعَوات إلا هو، ولا يُقيل٤ العثَرات ويغفر الخطيئات ويستر العورات ويكشف الكرُبات ويُغيث اللهفات ويُنيل الطلَبات سواه؟
فهو "أحقُّ مَن ذُكِر، وأحقّ من شُكِر، وأحقّ من عُبد، وأحقّ من حُمِد، وأنصَر من ابتُغِي، وأرأف من ملَك، وأجود من سئلَ، وأوسع من أعطى، وأرحم من استُرْحِم، وأكرم من قُصِد"٥، وأعزّ من التُجئ إليه، وأكفى من تُوُكِّل عليه٦. أرحَمُ بعبده من الوالدة بولدها٧، وَأشدّ
(١) سبق تخريجه (٢٣٣).
(٢) ل: "يطلبك".
(٣) لم يرد هذا الشعر في س. وذهب على الناشرين أنه نظم، فأثبتوه نثرًا!
(٥) هذا لفظ حديث أخرجه الطبراني في الكبير وفي الدعاء عن أبي أمامة الباهلي أن النبي ﷺ كان إذا أصبح قال: .... وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١١٧): رواه الطبراني وفيه فضالة بن عبيد مجمع على ضعفه. وقد ذكره ابن القيم مضمّنًا في الوابل الصيب (١٥٣) أيضًا.
(٦) س، ف: "توكل العبد عليه". ل: "توكل عليه العبد".
(٧) كما جاء في حديث عمر ﵁. أخرجه البخاري في الأدب، باب رحمة الولد … (٥٩٩٩)؛ ومسلم في التوبة، باب في سعة رحمة الله تعالى =
فرحًا بتوبة التائب من الفاقد لراحلته التي عليها طعامه وشرابه في الأرض المهلكة، إذا يئس من الحياة ثم وجدها١.
وهو الملِك لا شريك له، والفرد فلا ندّ٢ له. كلّ شيء هالك إلا وجهه. لن يُطاع إلا بإذنه، ولن يُعصى إلا بعلمه. يُطاع فيَشْكرُ، وبتوفيقه ونعمته أطِيعَ. ويُعصَى فيغفر ويعفو٣، وحقُّه أضِيعَ.
فهو أقرب شهيد وأجلّ حفيظ. وأوفى وفيّ بالعهد، وأعدل قائم بالقسط. حال دون النفوس، وأخذ بالنواصي، وكتب الآثار، ونسخ الآجال. فالقلوب له مفضية، والسرّ عنده علانية. والغيب لديه٤
مكشوف، وكلّ أحد إليه ملهوف٥.
عنَتِ الوجوه لنور وجهه، وعجزت القلوب عن إدراك كنهه، ودلّت الفِطَر والأدلّة كلّها على امتناع مثله وشبهه. أشرقت لنور وجهه الظلمات، واستنارت له الأرض والسماوات، وصلحت عليه جميع المخلوقات. "لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام. يحفظ القسط، ويرفعه. يُرفَع إليه عملُ الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل. حجابه النور، لو كشفه لأحرقتْ سُبُحاتُ وجهه ما انتهى إليه
= (٢٧٥٤).
(١) يشير إلى حديث ابن مسعود ﵁. أخرجه البخاري في الدعوات، باب التوبة (٦٣٥٨)، ومسلم في التوبة، باب في الحض على التوبة (٢٧٤٤).
(٢) س، ل: "لاندّ".
(٣) س: "فيعفو ويغفر". وسقط "ويعفو" من ز.
(٤) ز: "عنده".
(٥) بعض هذه الألفاظ وارد في حديث أبي أمامة السابق.