الداء والدواء

بصره من خلقه"١.

ما اعتاض باذلُ حبّه لسواهمِن عوضٍ ولو ملَكَ الوجودَ بأسرِهِ

فصل

وهاهنا أمر عظيم يجب على اللبيب الاعتناء به، وهو أنّ كمال اللذة والفرح والسرور ونعيم القلب وابتهاج الروح تابع لأمرين:

أحدهما: كمال المحبوب في نفسه وجماله وأنّه أولى بإيثار الحبّ٢ من كلّ ما سواه.

والأمر الثاني: كمال محبته، واستفرغ الوسع في حبّه، وإيثار قربهِ والوصولِ إليه على كلّ شيء.

وكلّ عاقل يعلم أنّ اللذة بحصول المحبوب بحسب قوة محبته. فكلّما كانت المحبة أقوى٣ كانت لذة المحبّ٤ أكمل. فلذة من اشتد ظمؤه بإدراك الماء الزلال، ومن اشتدّ جوعه بأكل الطعام الشهيّ ونظائر ذلك على حسب شوقه وشدة إرادته ومحبته.

وإذا٥ عُرف هذا فاللذة والسرور والفرح أمر مطلوب في نفسه، بل هو مقصود كلّ حيّ، وإذا كانت اللذة مطلوبة لنفسها، فهي

  1. (١) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁. أخرجه مسلم في الإيمان، باب في قوله ﵇: إن الله لا ينام … (١٧٩).
  2. (٢) ل، حاشية س: "المحبة".
  3. (٣) "أقوى" ساقط من ز.
  4. (٤) ف: "الحب".
  5. (٥) س: "فإذا".
540

تُذَمّ١ إذا أعقبَتْ ألمًا أعظمَ منها، أو منعتْ لذةً خيرًا وأجلّ منها. فكيف إذا أعقبت أعظمَ الحسرات، وفوّتت أعظم اللذّات والمسرّات؟ وتُحمَد إذا أعانت على لذة عظيمة دائمة مستقرّة لا تنغيص فيها ولا نكد بوجهٍ ما٢، وهي لذة الآخرة ونعيمها وطيب العيش فيها٣. قال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ١٦ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ١٧﴾ [الأعلى: ١٦، ١٧]، وقال السحرة لفرعون لمّا آمنوا: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ٧٢ إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ٧٣﴾٤ [طه: ٧٢، ٧٣].

والله سبحانه خلق الخلق ليُنيلَهم هذه اللذة الدائمة في دار الخلد، وأما الدنيا فمنقطعة، ولذّاتها لا تصفو أبدًا ولا تدوم، بخلاف الآخرة فإنّ لذّاتها دائمة، ونعيمها خالص من كل كدر وألم، وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذّ الأعين مع الخلود أبدًا. ولا تعلم نفس ما أخفى الله لعباده فيها٥ من قرة أعين، بل فيها ما لا عينٌ رأتْ، ولا أذنٌ سمعتْ، ولا خطر على قلب بشر.

وهذا المعنى الذي قصده الناصح لقومه بقوله: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ ٣٨ يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ ٣٩﴾٦ [غافر: ٣٨، ٣٩] فأخبرهم أنّ الدنيا متاع

  1. (١) ف: "ندمٌ"، تصحيف.
  2. (٢) ل: "وتنكد بوجه".
  3. (٣) "ولا نكد … فيها" ساقط من س.
  4. (٤) في النسخ: "اقض" دون الفاء.
  5. (٥) ف: "فلا تعلم نفس ما أخفي لهم".
  6. (٦) في النسخ: "اتبعوني، بإثبات الياء، وقد أثبتها أبو عمرو وقالون في الوصل، =
541

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي