يُسْتَمْتعَ١ بها إلى غيرها، وأنّ الآخرة هي المستقَرّ.
وإذا عُرِف أنّ لذّات الدنيا ونعيمها متاع ووسيلة إلى لذّات الآخرة٢، ولذلك خُلقت الدنيا ولذّاتها، فكلّ لذة أعانت على لذة الآخرة وأوصلتْ إليها لم يُذَمَّ تناولُها، بل يُحمَد بحسب إيصالها إلى لذّة الآخرة.
إذا عُرِف هذا، فأعظمُ نعيم الآخرة ولذّاتها: النظرُ إلى وجه الربّ ﷻ، وسماعُ كلامه منه، والقربُ منه؛ كما ثبت في الصحيح في حديث الرؤية: "فوالله ما أعطاهم شيئًا أحب إليهم من النظر إليه"٣.
وفي حديث آخر: "إنّه إذا تجلّى لهم ورأوه نسُوا ما هم فيه من النعيم"٤.
وفي النسائي ومسند الإِمام أحمد من حديث عمّار بن ياسر عن
= وابن كثير في الحالين. الإقناع (٧٥٥).
(١) س، ل: "يتمتع".
(٢) ف: "لذة الآخرة".
(٣) ف: "إلى وجهه الكريم". وهو من حديث صهيب ﵁. أخرجه مسلم في الإيمان" باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم ﷾ (١٨١).
(٤) أخرجه ابن ماجه (١٨٤) والعقيلي في الضعفاء (٢/ ٢٧٤ - ٢٧٥) وابن أبي الدنيا في صفة الجنّة (٩٨) وغيرهم بنحوه. فيه الفضل بن عيسى الرقاشي متروك الحديث. والحديث تكلم فيه العقيلي وابن عدي وابن الجوزي وابن كثير والبوصيري. وجاء عن الحسن البصري بمثله عند الآجري في الشريعة (٥٧٢). وفي سنده عمر بن مدرك القاص. قال يحيى بن معين: كذاب. انظر الجرح (٦/ ١٣٦) ولسان الميزان (٦/ رقم ٥٦٩٠).
النبي ﷺ في دعائه: "وأسألك لذّةَ النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك"١.
وفي كتاب السنّة لعبد الله ابن الإِمام أحمد٢ مرفوعًا: "كأنّ الناس يوم القيامة لم يسمعوا القرآن. إذا سمعوه٣ من الرحمن، فكأنّهم٤ لم يسمعوه قبل ذلك".
وإذا عُرِف هذا، فأعظمُ الأسباب التي تُحصِّل هذه اللذّةَ هو أعظمُ لذّات الدنيا على الإطلاق، وهو لذّةُ معرفته سبحانه ولذّةُ محبته، فإن ذلك هو جنّة الدنيا ونعيمها العالي؛ ونسبةُ لذّاتها الفانية إليه كتَفْلةٍ في بحرٍ، فإنّ الروح والقلب والبدن إنّما خلق لذلك. فأطيبُ ما في الدنيا معرفتُه ومحبّتُه، وأنشد ما٥ في الجنّة رؤيتُه ومشاهدتُه. فمحبّتُه ومعرفتُه قرّة العيون، ولذة الأرواح، وبهجة القلوب، ونعيم الدنيا وسرورها. بل لذّاتُ الدنيا القاطعةُ عن ذلك تنقلب آلامًا وعذابًا، ويبقى صاحبها في
(١) سبق تخريجه (٤٢٨ - ٤٢٩).
(٢) لم أجده في المطبوع. والحديث أخرجه الرافعي في التدوين (٢/ ٤٠٣) من طريق إسماعيل بن رافع عن محمَّد بن كعب القرظي عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ: "كأن الناس لم يسمعوا القرآن حين يسمعونه من الرحمن يتلوه عليهم يوم القيامة". ورواه بعضهم من قول محمَّد بن كعب القرظي قال: "كان الناس لم يسمعوا القرآن قبل يوم القيامة حين يتلوه الله عليهم". أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني (الدر المنثور ٣/ ١٣). والمرفوع لا يصح؛ لأن فيه إسماعيل بن رافع المدني ضعيف.
(٣) ز: "سمعوا".
(٤) ف: "كانهم".
(٥) س: "والدنيا"، تحريف. ولمّا أشكلت الكلمة على بعض من قرأ النسخة ضرب عليها ثلاث مرَّات!