الداء والدواء

ويقول الآخر:

ولا خيرَ في الدنيا ولا في نعيمهاوأنتَ وحيدٌ مفرَدٌ غيرُ عاشقِ١

ويقول الآخر:

اسكُنْ إلى سكَنٍ تلَذُّ بحبّهذهب الزمانُ وأنتَ منفردُ٢

ويقول الآخر:

تشكّى المحبّون الصبابةَ ليتنيتحمّلتُ ما يلقَون مِن بينهم وحدي
فكانت لقلبي لذّةُ الحبّ كلّهافلم يلقَها قبلي محِبٌّ ولا بعدي٣

فكيف بالمحبة التي هي حياة القلوب وغذاء الأرواح، وليس للقلب

  1. (١) منازل الأحباب (٥١). وانظر: روضة المحبين (٢٨٣)، ومدارج السالكين (٣/ ٣١٢).
  2. (٢) البيت لبشار بن برد من قصيدة في ديوانه (ابن عاشور: ٣/ ٦٢، إحسان عباس: ٢٦٩) مطلعها:
    دَعْ ذكرَ عبدةَ إنه فَنَدُ … وتعزَّ ترقدُ مثلَ ما رقدوا
    ورواية صدر البيت فيه:
    فاسكُنْ إلى سكَنٍ تُسَرُّ به
    ويروى: "تلذّ به". انظر: ديوانه (العلوي ٦٦، الحاشية). فالأبيات من الضرب الرابع من الكامل. والذي ورد هنا من الضرب الثاني. وفي روضة المحبين (٢٨٤): " … وأنت خالٍ مفردُ" وفي مدارج السالكين (٣/ ٢١٢): "وأنت منفرد به" من الضرب الأول. ولا أدري أذلك كله من تصرّف ذاكرة المؤلف أم فيه نصيب للناسخين والناشرين أيضًا؟
  3. (٣) سبق البيتان في ص (٤٢٧).
545

لذّة ولا نعيم ولا فلاح ولا حياة إلا بها، وإذا فقدها القلب كان ألمه أعظم من ألم العين إذا فقدت نورها، والأذنِ إذا فقدت سمعها، والأنفِ إذا فقد شمّه، واللسانِ إذا فقد نطقَه؟ بل فسادُ القلب إذا خلا من محبة فاطره وبارئه وإلهه الحقّ أعظمُ من فساد البدن١ إذا خلا من الروح. وهذا أمر

لا يصدّق به إلا من فيه حياة، و"ما لجرحٍ بميِّت إيلامُ"٢!

والمقصود أنّ أعظم لذّات الدنيا هو السبب الموصل إلى أعظم لذّة في الآخرة.

ولذّات الدنيا ثلاثة أنواع:

فأعظمها وأكملها: ما أوصل إلى لذة الآخرة. ويثاب الإنسان على هذه اللذة أتمّ ثواب. ولهذا كان المؤمن يثاب على ما يقصد به وجهَ الله من أكله وشربه ولبسه ونكاحه، وشفاء غيظه بقهر٣ عدو الله وعدوّه، فكيف بلذة إيمانه ومعرفته بالله، ومحبته له٤، وشوقه إلى لقائه، وطمعه في رؤية وجهه الكريم في جنات النعيم؟

النوع الثاني: لذة تمنع لذة الآخرة، وتُعقِب آلامًا أعظمَ منها، كلذّة الذين اتخذوا من دون الله أوثانًا مودةَ بينهم في الحياة الدنيا، يحبّونهم كحبّ الله، ويستمتعون بعضهم ببعض، كما يقولون في الآخرة إذا لقُوا ربهم: ﴿رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨) وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ

  1. (١) "إذا خلا … البدن" ساقط من س.
  2. (٢) للمتنبى، وقد سبق في ص (١٣٣).
  3. (٣) ف: "بموت".
  4. (٤) "له" ساقط من ز. وكذلك "بالله" من ل.
546

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي