الداء والدواء

لذّة ولا نعيم ولا فلاح ولا حياة إلا بها، وإذا فقدها القلب كان ألمه أعظم من ألم العين إذا فقدت نورها، والأذنِ إذا فقدت سمعها، والأنفِ إذا فقد شمّه، واللسانِ إذا فقد نطقَه؟ بل فسادُ القلب إذا خلا من محبة فاطره وبارئه وإلهه الحقّ أعظمُ من فساد البدن١ إذا خلا من الروح. وهذا أمر

لا يصدّق به إلا من فيه حياة، و"ما لجرحٍ بميِّت إيلامُ"٢!

والمقصود أنّ أعظم لذّات الدنيا هو السبب الموصل إلى أعظم لذّة في الآخرة.

ولذّات الدنيا ثلاثة أنواع:

فأعظمها وأكملها: ما أوصل إلى لذة الآخرة. ويثاب الإنسان على هذه اللذة أتمّ ثواب. ولهذا كان المؤمن يثاب على ما يقصد به وجهَ الله من أكله وشربه ولبسه ونكاحه، وشفاء غيظه بقهر٣ عدو الله وعدوّه، فكيف بلذة إيمانه ومعرفته بالله، ومحبته له٤، وشوقه إلى لقائه، وطمعه في رؤية وجهه الكريم في جنات النعيم؟

النوع الثاني: لذة تمنع لذة الآخرة، وتُعقِب آلامًا أعظمَ منها، كلذّة الذين اتخذوا من دون الله أوثانًا مودةَ بينهم في الحياة الدنيا، يحبّونهم كحبّ الله، ويستمتعون بعضهم ببعض، كما يقولون في الآخرة إذا لقُوا ربهم: ﴿رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨) وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ

  1. (١) "إذا خلا … البدن" ساقط من س.
  2. (٢) للمتنبى، وقد سبق في ص (١٣٣).
  3. (٣) ف: "بموت".
  4. (٤) "له" ساقط من ز. وكذلك "بالله" من ل.
546

الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٢٩)﴾ [الأنعام:١٢٨ - ١٢٩]، ولذّةِ أصحاب الفواحش والظلم والبغي في الأرض والعلوّ بغير الحق.

وهذه اللذّات في الحقيقة إنّما هي استدراج من الله لهم، ليذيقهم بها أعظم الآلام، ويحرمهم بها أكملَ اللذّات، بمنزلة من قدّم لغيره طعامًا لذيذًا مسمومًا يستدرجه به١ إلى هلاكه.

قال تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ١٨٢ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ١٨٣﴾ [الأعراف: ١٨٢، ١٨٣].

قال بعض السلف في تفسيرها: كلّما أحدثوا ذنبًا أحدثنا لهم نعمةً٢. ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ٤٤ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ٤٥﴾ [الأنعام: ٤٤، ٤٥].

وقال تعالى في أصحاب٣ هذه اللذّات: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ ٥٥ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ ٥٦﴾ [المؤمنون: ٥٥، ٥٦].

وقال في حقّهم: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ٥٥﴾ [التوبة: ٥٥].

وهذه اللذّات تنقلب آخرًا آلامًا من أعظم الآلام، كما قيل:

  1. (١) "به" ساقط من ز.
  2. (٢) جاء عن الضحاك قال: "كلما جددوا معصية جددنا لهم نعمة". ذكره الواحدي في الوسيط (٢/ ٤٣١) والبغوي في تفسيره (٣/ ٣٠٨). وجاء عن عبد الله بن داود الخريبي أخرجه ابن أبي الدنيا في الشكر (١١٦)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٧/ ٧) والبيهقي في الأسماء والصفات (١٠٢٤)، وسنده صحيح. وجاء عن يحيى بن المثنى عن أبي الشيخ (الدر المنثور ٣/ ٢٧٢).
  3. (٣) ل: "لأصحاب".
547

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي